مقالات وتحليلات

مشاريع التوسع الأيديولوجي بحثًا عن زعامة في منطقة الشرق الأوسط على حساب قضايا الشعوب العادلة ودمائها

مشاريع التوسع الأيديولوجي بحثًا عن زعامة في منطقة الشرق الأوسط على حساب قضايا الشعوب العادلة ودمائها

بقلم: د. أمين العلياني

في ذلك المساء القاتم من تاريخ أمتنا العربية، حين اشتعلت فتائل الفتنة الأولى فيما سمي زورًا وبهتانًا بالربيع الاخواني الفوضوي، لم يخطر ببال أحد من أبناء هذه الأمة المغلوبين على أمرهم أن ما يحدث ليس إلا الشرارة الأولى في حريق هائل سيأتي على الأخضر واليابس، حريق لم يكن قط بريئًا في نشأته ولا عفويًا في امتداده، بل كان حلقة من حلقات مشروع أكبر وأخطر، مشروع تتقاطع فيه المصالح وتتصادم فيه الإرادات، وتذوب فيه معاني الأخوة والجوار في بوتقة واحدة ملتهبة لا تهدأ ولا تستقر، وكأنما أراد لهندسة هذا المشروع أن تكون الشعوب العربية هي الوقود الرخيص في محرقة الصراع على الزعامة، وأن تكون دماؤها الزكية هي العملة التي يُدفع بها ثمن التوسع الأيديولوجي الأعمى للدول التي تدعم وتحتضن هذه الأيديولوجيات القاتلة.

لقد دخلت المنطقة العربية، منذ اللحظة الأولى التي انفرط فيها عقد النظام الإقليمي القديم، في دوامة عاتية من الصراع والتفكك لم تشهد لها مثيلًا في تاريخها المعاصر كله، دوامة لا تعرف الرحمة ولا تبقي على شيء من التراث المشترك الذي ظل يجمع أبناء العروبة على اختلاف أقطارهم وألسنتهم، وإذا بالمنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط برمتها تتحول إلى رقعة شطرنج عملاقة يتبارى فيها اللاعبون الكبار بدماء الأبرياء وأشلاء المدنيين، وإذا بالقوى الإقليمية التي تدعم التوجهات الأيديولوجية السنية منها والشيعية على حد سواء تجد في هذه الفوضى الخلاقة ضالتها المنشودة، وتستغل تلك الأيديولوجيات الدينية المقيتة استغلالًا بغيضًا لم يعد خافيًا على أحد، سواء أكانت هذه الأيديولوجيات شيعية ترفع راية الولاية والوصاية، أم سنية ترفع لواء الخلافة والإمارة، وكأنما اتفق الفريقان على أن يجعلا من الدين مطية لتحقيق أحلام التوسع والزعامة في إدارة الشرق الأوسط المضطرب.

غير أن هذه الزعامات الأيديولوجية التي نشأت وترعرعت على أنقاض الدول لم تكن يومًا محسوبة العواقب ولا مقدرة للتبعات، بل اندفعت في غيّها وغلوائها دون أن تكلف نفسها عناء التفكير في مستقبل المنطقة أو مصير شعوبها، فإذا بالمنطقة برمتها تدخل في حروب غير محسوبة العواقب ولا معلومة النهايات، حروب لا تعرف غالبًا ولا مغلوبًا، ولا تفرق بين مقاتل وآمن، حروب استنزفت معها القضايا العربية العادلة استنزافًا كاملًا حتى كادت تختفي من قاموس الخطاب السياسي العربي المعاصر، تلك القضايا التي تمثل آمال شعوب كاملة مضطهدة من أنظمتها الحاكمة، شعوب تبحث بكل ما أوتيت من صبر وجلد عن كيان لدولها المستقلة واستقرار تنشده منذ عقود طويلة في منطقة لا تعرف للاستقرار معنى.

وهنا، في هذه اللحظة الحاسمة من تاريخنا المعاصر، يبرز السؤال الأليم: كيف استفادت كل من السعودية وإيران من تضخيم هذا النزق والنزيف الأيديولوجي العابر للحدود؟ لقد حولت هاتان القوتان الإقليميتان المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط برمتها إلى بؤرة اضطراب غير محسوب العواقب، اضطراب أصبح معه هذا الإناء الأيديولوجي القاتل يؤدي مباشرة إلى تفكك الأنظمة العربية الواحدة تلو الأخرى، وإلى ظلم فظيع وقع على شعوب عربية بأكملها لم تجد من ينصرها أو يرفع صوتها في محافل الدول، شعوب مثل شعب الجنوب العربي الذي ظل لعقود طويلة يناضل من أجل استعادة دولته المسلوبة وحقه المغتصب في تقرير مصيره، ومثل شعب صوماليلاند الذي أثبت للدنيا بأسرها أنه قادر على بناء دولة مستقرة في قلب منطقة ملتهبة لا تعرف الهدوء، ومع ذلك ظل هذا الشعب يزرح تحت وطأة صمت دولي مطبق وتجاهل عربي مقيت، في وقت تتسابق فيه القوى الإقليمية الكبرى على دعم أنظمة جعلت من الأيديولوجيا يافطة براقة ترفعها عاليًا لفرض واقع مرير لا تقبل به الشرائع السماوية ولا القوانين الدولية ولا المواثيق الأممية.

والمؤلم حقًا، والمحزن حد البكاء، أن الزعامة الإقليمية التي تتسابق إليها الدول الكبرى في الشرق الأوسط المضطرب، والتقول باسم عظمة القيادة في هذه المنطقة المنكوبة، لم تكن يومًا في صالح الشعوب المظلومة ولا في خدمة قضاياها العادلة، بل على العكس تمامًا، فقد انعكس هذا السباق المحموم نحو الزعامة والتوسع انعكاسًا سلبيًا خطيرًا على قضايا تلك الشعوب ومصيرها العادل، وشجع هذه الطفرة الأيديولوجية القاتلة على مزيد من التمدد والانتشار، وأدخل شعوبًا برمتها في حروب لا منتهى لها ولا آخر، حروب تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي على شيء من مقومات الحياة الكريمة، وكأنما كتب على هذه الشعوب أن تكون الضحية الدائمة في صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

واليوم، وبعد كل هذا الدمار والخراب والتفكك، يتوجب علينا أن نطرح السؤال الأكثر إلحاحًا: من الذي يدير الشرق الأوسط بعد هذا التفكك العربي المريع الذي لم يتوقف عند حدود انهيار الدول وتشظي المجتمعات، بل وصل إلى حد تفكك الثقة حتى في بنية دول الخليج العربي نفسها؟ تلك الدول التي كانت إلى عهد قريب مضرب المثل في الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي، فإذا بها اليوم تجد نفسها في قلب العاصفة الهوجاء التي لا تفرق بين صديق وعدو، ولا بين حليف وخصم.

ومن المستفيد الأول والأخير من جعل الأيديولوجيا نارًا حارقة للصراع الإقليمي، تضطرم أوارًا على حساب الاستقرار السياسي المنشود، والنماء الاقتصادي المأمول، والرفاه الاجتماعي الذي طالما حلمت به الشعوب العربية؟ ومن ذا الذي يجني ثمار هذه الفوضى العارمة بينما تدفع الشعوب المسكينة الثمن من دمائها وأرواحها ومقدراتها؟ ولماذا بقيت القضايا العربية العادلة رهينة الصراعات والمصالح، بينما كان يفترض فيها أن تكون في صدارة الأولويات والاهتمامات؟

ثم يأتي السؤال الأكثر إيلامًا وإثارة للشجن في نفوس كل عربي غيور على أمته: لماذا صارت فلسطين ومظلوميتها التاريخية مجرد وسيلة رخيصة للابتزاز الأيديولوجي السني والشيعي على حد سواء؟ لماذا تحولت القضية الفلسطينية، بما تمثله من معاناة إنسانية عميقة وحق تاريخي لا يسقط بالتقادم، إلى مجرد شعار يُرفع في المحافل والقمم، ثم يُطوى مع انتهاء بياناتها الختامية؟ بينما تظل هناك قضايا عربية لا تقل عدالة عن القضية الفلسطينية، قضايا يجب أن تنتصر وينتصر معها الحق والعدل، قضايا مثل قضية شعب الجنوب العربي الذي ما يزال يناضل بكل شرف وإباء من أجل استعادة دولته وهويته وحقه في الحياة الكريمة، وقضية صوماليلاند التي أثبتت جدارتها في بناء دولة مستقرة وفاعلة رغم كل الصعاب والعقبات.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى