تقـــارير

شبوة.. قلعة الجنوب التي لم تنحني للعواصف

شبوة.. قلعة الجنوب التي لم تنحني للعواصف

لم تكن شبوة يومًا محافظة عابرة في مسار القضية الجنوبية، ولا مساحة جغرافية تقف على هامش التحولات السياسية والعسكرية التي شهدها الجنوب خلال العقود الماضية، بل ظلت حاضرة في صلب المشهد، بما تمتلكه من ثقل اجتماعي وسياسي واقتصادي، وبما قدمه أبناؤها من تضحيات ومواقف جعلت اسمها مرتبطًا بمحطات مفصلية في تاريخ الجنوب الحديث.

ومنذ بروز القضية الجنوبية كعنوان سياسي وشعبي يعبر عن تطلعات الجنوبيين وحقوقهم، كانت شبوة واحدة من المحافظات التي حافظت على حضورها في مختلف مراحل الحراك الشعبي، ودفعت بأبنائها إلى ساحات النضال السلمي، كما قدمت تضحيات كبيرة في مختلف المواجهات التي شهدتها المحافظات الجنوبية، لتؤكد أن قضية الجنوب بالنسبة لأبنائها ليست شعارًا موسميًا، وإنما قضية متجذرة في الوعي والذاكرة والوجدان.

وتكتسب شبوة أهمية استثنائية في خارطة الجنوب، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي واتساع مساحتها، وإنما أيضًا بسبب ثرواتها النفطية والغازية وموقعها الاستراتيجي، وهو ما جعلها على الدوام محط اهتمام القوى السياسية والإقليمية المتنافسة على النفوذ. ومع ذلك، بقي أبناء شبوة يؤكدون في مناسبات عديدة أن الثروة لا يمكن فصلها عن حق أهلها في إدارة أرضهم ومواردهم، وأن مستقبل المحافظة ينبغي أن يكون مرتبطًا بإرادة أبنائها وبما يحقق مصالح الجنوب وأمنه واستقراره.

لقد أثبتت شبوة أن المواقف الوطنية لا تُقاس بحجم الضجيج الإعلامي، وإنما بمدى الثبات عند المنعطفات الصعبة. ففي كل مرحلة تعرضت فيها القضية الجنوبية لضغوط سياسية أو محاولات لإعادة ترتيب المشهد بعيدًا عن تطلعات الجنوبيين، كانت أصوات شبوانية عديدة تعيد التأكيد على تمسكها بحقوق الجنوب، وعلى ضرورة أن يكون للجنوبيين حضور حقيقي في تحديد مستقبلهم السياسي.

ولم تكن التضحيات التي قدمها أبناء شبوة منفصلة عن هذا الموقف؛ فقد دفعت المحافظة ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها، سواء في مواجهة التنظيمات المسلحة والجماعات الإرهابية أو في مختلف جبهات القتال، الأمر الذي جعلها تنظر إلى قضية الأمن والاستقرار باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من حماية المجتمع وصون مكتسباته.

كما أن الحضور الشعبي في شبوة ظل يمثل عاملًا مهمًا في إبقاء القضية الجنوبية حاضرة في النقاش العام. فالمجتمع الشبواني، بما يتميز به من تركيبة قبلية واجتماعية متماسكة، استطاع في كثير من المحطات أن يحافظ على قدر من التماسك تجاه القضايا المصيرية، وأن يعبّر عن مواقفه من خلال الفعاليات والمواقف الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن محاولات اختزال شبوة في موقف واحد أو اتجاه واحد.

وتبرز أهمية شبوة بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بملف الثروة. فالمحافظة التي تحتضن موارد نفطية وغازية مهمة ظلت تواجه سؤالًا جوهريًا يتكرر على ألسنة أبنائها: كيف يمكن أن تتحول الثروة إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن؟ فهذا السؤال لا يتعلق بالاقتصاد وحده، بل يرتبط بصورة مباشرة بمفهوم العدالة والشراكة وحق المجتمعات المحلية في الاستفادة من موارد أراضيها.

ومن هنا، فإن الموقف الشبواني من القضية الجنوبية لا ينحصر في الجانب السياسي فقط، بل يمتد إلى المطالبة بتنمية حقيقية، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص العمل، وتعزيز الأمن، وحماية الموارد، وإنهاء حالة التهميش التي عانت منها المحافظة خلال سنوات طويلة.

وفي المشهد الجنوبي الأوسع، تظل شبوة صاحبة موقع لا يمكن تجاهله. فهي تربط جغرافيًا بين مناطق جنوبية متعددة، وتمتلك ثقلًا اقتصاديًا وأمنيًا، كما أن موقعها يجعل استقرارها عنصرًا أساسيًا في استقرار الجنوب بأكمله. ولهذا فإن أي محاولة لإضعاف حضور شبوة أو إبعادها عن المشهد الجنوبي تعني عمليًا إضعاف أحد أهم مراكز الثقل في الجنوب.

ويؤكد كثير من أبناء المحافظة أن اختلاف الآراء الداخلية حول الوسائل أو التفاصيل لا ينبغي أن يتحول إلى خلاف حول أصل القضية الجنوبية وحقوق أبنائها. فالتنوع في المواقف السياسية أمر طبيعي في أي مجتمع، لكن القضايا المصيرية تحتاج إلى الحفاظ على مساحة واسعة من الحوار والتفاهم، بما يمنع تحويل الاختلاف إلى أداة لتفكيك النسيج الاجتماعي.

وتبقى شبوة، في نظر الكثير من الجنوبيين، نموذجًا لمحافظة دفعت ثمنًا كبيرًا من أجل الأمن والاستقرار، وفي الوقت نفسه لم تتخلَّ عن حضورها في القضية الجنوبية. فبين ساحات النضال، وجبهات المواجهة، وحقول النفط والغاز، والقرى والمدن التي تنتظر التنمية، تتشكل صورة محافظة تحمل إرثًا ثقيلًا من التضحيات وتطلعات واسعة نحو المستقبل.

إن قوة شبوة الحقيقية لا تكمن في ثرواتها وحدها، ولا في موقعها الاستراتيجي فحسب، وإنما في الإنسان الشبواني الذي ظل حاضرًا في مختلف المنعطفات، متمسكًا بأرضه وهويته وحقه في أن يكون شريكًا في صناعة مستقبل محافظته والجنوب بصورة عامة.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي في الجنوب، تبدو شبوة أمام اختبار جديد: الحفاظ على تماسكها الاجتماعي، وحماية مصالح أبنائها، وتعزيز أمنها واستقرارها، والدفاع عن حقها في التنمية والاستفادة من مواردها، مع استمرار حضورها السياسي في أي ترتيبات تتعلق بمستقبل الجنوب.

ولهذا فإن الرسالة التي تحملها شبوة اليوم ليست رسالة صدام أو إقصاء، وإنما رسالة ثبات ووعي؛ فالقضية الجنوبية، بالنسبة إلى قطاعات واسعة من أبنائها، ليست ورقة تفاوضية مؤقتة، بل ملف يرتبط بتاريخ طويل من المطالب والتضحيات والتطلعات.

ومن شبوة، التي عرفت معنى الثروة ومعنى الحرمان، ومعنى الحرب ومعنى السلام، تتجدد الدعوة إلى بناء مستقبل يقوم على الشراكة والعدالة والتنمية، ويمنح أبناء المحافظة حقهم في تقرير أولوياتهم وحماية مواردهم، ويضع الجنوب أمام استحقاق تاريخي عنوانه احترام إرادة أبنائه والاستماع إلى أصواتهم.

لقد أثبتت شبوة عبر محطات كثيرة أن المحافظات لا تُقاس بمساحاتها فقط، وإنما بثقل مواقفها وحجم ما تقدمه من تضحيات. ولذلك ستظل شبوة رقمًا صعبًا في المعادلة الجنوبية، ومحافظة لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن مستقبل الجنوب، ولا تجاهل صوتها عند مناقشة قضايا الأرض والثروة والقرار السياسي.

فشبوة ليست مجرد نفط وغاز وحدود وجغرافيا، وليست مجرد محافظة في خارطة الجنوب؛ إنها ذاكرة من التضحيات، ومجتمع له كلمته، وثقل سياسي واجتماعي واقتصادي، ومكوّن أساسي في أي مستقبل جنوبي يُراد له أن يكون قائمًا على إرادة أبنائه وحقوقهم وشراكتهم.

وفي النهاية، يبقى الموقف الأكثر إشراقًا هو ذلك الذي يجمع بين الوفاء للتضحيات، والتمسك بالحقوق، والحفاظ على وحدة الصف الاجتماعي، ورفض تحويل الخلافات إلى أدوات للتمزيق. ومن هذه الزاوية، تظل شبوة قادرة على لعب دور محوري في صياغة مستقبل أكثر استقرارًا وعدالة، مستقبل يحفظ لأبنائها حقهم في الأمن والتنمية والكرامة، ويضع قضيتهم ومصالحهم في صدارة أي مشروع سياسي قادم.

من عين الجنوب

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى