لم تكن مليونية الأول من سبتمبر في العاصمة عدن مجرد فعالية جماهيرية عابرة، ولا مناسبة لإحياء ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، بل جاءت كمشهد جماهيري واسع حمل رسائل متعددة، أبرزها أن قضية الجنوب ما تزال حاضرة بقوة في وجدان أبنائه، وأن الذاكرة الوطنية الجنوبية تحتفظ بمكانة خاصة للقوات المسلحة التي ارتبط تاريخها بتضحيات أجيال متعاقبة.
وبكل المقاييس، عكست الحشود المشاركة في مليونية ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي حجم التفاعل الشعبي مع هذه المناسبة، وأظهرت قدرة الجماهير الجنوبية على تحويل المناسبات الوطنية إلى محطات للتعبير عن المواقف والآمال والتطلعات. فالحضور اللافت لم يكن مجرد أرقام في ساحات الاحتشاد، وإنما صورة تعكس تمسك قطاع واسع من أبناء الجنوب بهويتهم السياسية والوطنية وحرصهم على إحياء رموز تاريخهم العسكري.
لقد أثبت شعب الجنوب، من خلال هذا الحضور، أنه شعب قادر على تجاوز الصعوبات والظروف القاسية، وأن القضايا التي يؤمن بها لا تسقط بسهولة من ذاكرته مهما طال الزمن. فالأول من سبتمبر حمل بالنسبة لكثير من الجنوبيين معنى يتجاوز الاحتفال، باعتباره مناسبة لاستحضار تاريخ الجيش الجنوبي وتضحيات رجاله، والتأكيد على أهمية المؤسسات العسكرية والأمنية في حماية المجتمع وصون الاستقرار.
وفي مشهد يعكس حجم الالتفاف الشعبي، بدت العاصمة عدن أمام واحدة من أبرز الفعاليات الجماهيرية المرتبطة بالذكرى، حيث توافدت الجماهير من مختلف المحافظات والمناطق الجنوبية، حاملة الأعلام والشعارات الوطنية، في تعبير واضح عن حضور القضية الجنوبية في الشارع.
ولعل الرسالة الأبرز التي حملتها المليونية أن الرهان على تراجع حضور القضية الجنوبية لا يبدو واقعياً في ظل استمرار هذا الزخم الشعبي. فالجماهير التي حضرت إلى عدن جاءت لتقول إن الذاكرة لا تُمحى، وإن التضحيات التي قدمها أبناء الجنوب على مدى عقود ما تزال حاضرة في الوجدان الجمعي، وإن أي مستقبل سياسي للجنوب، من وجهة نظر المشاركين، يجب أن يأخذ تطلعات أبنائه ومواقفهم بعين الاعتبار.
كما أعادت المليونية التأكيد على أن المناسبات الوطنية يمكن أن تتحول إلى مساحة جامعة للجنوبيين، خصوصاً عندما ترتبط بحدث ذي دلالة تاريخية كبيرة مثل ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي. فالجيش، في الوعي الشعبي، لم يكن مجرد تشكيل عسكري، بل جزءاً من تاريخ الدولة والمجتمع، وارتبط اسمه بالانضباط والتضحيات والبطولات التي يستحضرها أبناء الجنوب في مثل هذه المناسبات.
ومع اتساع المشاركة الشعبية، بدا واضحاً أن الأول من سبتمبر أصبح مناسبة لإعادة قراءة التاريخ واستحضار محطات النضال والتضحيات، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة إلى الداخل والخارج بأن الشارع الجنوبي يريد أن يكون طرفاً أساسياً في رسم مستقبله، لا مجرد متلقٍ للتسويات والقرارات التي تُصنع بعيداً عن إرادته.
إن نجاح مليونية الأول من سبتمبر، وفق ما عكسته مشاهد الحشود والتفاعل الشعبي، يمثل محطة جديدة في مسار الحراك الجماهيري الجنوبي، ويؤكد أن قوة أي قضية لا تقاس فقط بما تملكه من أدوات سياسية، وإنما كذلك بمدى حضورها في وجدان المجتمع وقدرتها على حشد الناس حولها.
وهكذا خرج الأول من سبتمبر من كونه مجرد تاريخ في الذاكرة إلى مناسبة جماهيرية واسعة، حملت معها مشاعر الوفاء للجيش الجنوبي ورجاله، ورسالة واضحة بأن شعب الجنوب، رغم كل الأزمات والتحديات، لا يزال متمسكاً بما يعتبره حقوقاً وقضية وطنية، وقادراً على التعبير عن موقفه في الساحات والميادين.
إنها مليونية قالت الكثير من دون حاجة إلى كثير من الكلمات: شعب حاضر، وذاكرة حية، وقضية ما تزال في صدارة المشهد، ورسالة بأن أبناء الجنوب يريدون أن يكون لهم صوت مسموع في تحديد مستقبلهم. وفي كل ذلك، يبرز الأول من سبتمبر كعنوان جديد للوفاء والتماسك الشعبي، وكشاهد على أن إرادة الجماهير، متى اجتمعت حول قضية تؤمن بها، تستطيع أن تصنع حضوراً يصعب تجاهله
من عين الجنوب
زر الذهاب إلى الأعلى