في الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، لا يستعيد أبناء الجنوب مجرد محطة زمنية عابرة في تاريخهم العسكري، بل يستحضرون مسيرة طويلة من التضحيات والبطولات والملاحم التي صنعتها أجيال من منتسبي القوات المسلحة، وتركوا خلالها إرثًا عسكريًا وطنيًا ظل حاضرًا في الذاكرة الجنوبية، بما حمله من قيم الانضباط والتضحية والشجاعة والوفاء.
إنها مناسبة يستعيد فيها الجنوبيون صفحات مشرقة من تاريخ جيشهم، ويستحضرون أسماء الشهداء والجرحى وكل الرجال الذين حملوا مسؤولية الدفاع عن الأرض والإنسان، وخاضوا معارك صعبة في ظروف بالغة التعقيد، مؤكدين أن المؤسسة العسكرية لم تكن يومًا مجرد تشكيلات مسلحة، وإنما إحدى أبرز المؤسسات التي ارتبطت في الوجدان الجنوبي بمفهوم الدولة والأمن والسيادة وحماية الأرض.
وعلى امتداد عقود، أثبت الجيش الجنوبي حضوره في ميادين مختلفة، وقدم نموذجًا للقوة العسكرية التي تستند إلى التدريب والانضباط والقدرة على تنفيذ المهام، قبل أن يتعرض عقب حرب صيف 1994م لعملية تدمير وإقصاء واسعة طالت بنيته العسكرية ومؤسساته ومنتسبيه، الأمر الذي ترك فراغًا أمنيًا وعسكريًا انعكست تداعياته على الجنوب لسنوات طويلة.
غير أن ذلك المشهد لم يكن نهاية الحكاية. فقد أعادت المقاومة الجنوبية تشكيل واقع جديد، وخرجت من رحمها قوات مسلحة جنوبية حديثة استطاعت خلال فترة زمنية قصيرة أن تثبت قدرتها على إعادة بناء منظومة عسكرية وأمنية قادرة على التعامل مع تحديات شديدة التعقيد، وأن تنتقل من مرحلة الدفاع إلى تنفيذ عمليات نوعية وتحقيق حضور ميداني واسع.
وخلال السنوات الماضية، تمكنت القوات المسلحة الجنوبية من ترسيخ وجودها في مناطق واسعة، وخوض مواجهات ضد الجماعات المسلحة والتنظيمات الإرهابية، إلى جانب المشاركة في جهود مكافحة التهريب وقطع طرق الإمداد غير المشروعة، وتعزيز الاستقرار في مناطق كانت تعاني لسنوات من هشاشة أمنية وفراغ مؤسسي.
وكان الانتشار في أجزاء واسعة من محافظتي حضرموت والمهرة محطة بارزة في هذه المسيرة، لما تمثله المحافظتان من أهمية استراتيجية وجغرافية، فضلًا عن اتساع مساحاتهما وامتدادهما على مناطق ساحلية وصحراوية وحدودية ذات حساسية كبيرة. وقد ارتبط هذا الانتشار، وفق الرؤية الجنوبية، بجهود مكافحة الإرهاب والتهريب وحماية السكان وتأمين الطرق والمناطق الحيوية.
ولم تكن مواجهة الإرهاب بالنسبة للقوات الجنوبية مجرد معركة عسكرية محدودة، بل شكلت جزءًا من معركة أوسع لحماية الأمن والاستقرار، في ظل وجود تنظيمات متطرفة وشبكات تهريب تستفيد من الجغرافيا الواسعة والفراغ الأمني لتنفيذ أنشطتها. ومن هنا برز الدور الذي اضطلعت به القوات الجنوبية في ملاحقة تلك التهديدات ومحاصرة مصادر الخطر، بما انعكس على أمن المناطق الجنوبية والممرات البحرية والمناطق المجاورة.
لكن هذه الإنجازات العسكرية والأمنية لم تخلُ من انتكاسات وتحديات. فقد أثارت التطورات التي شهدتها بعض المناطق الجنوبية، وما رافقها من انسحابات وإعادة انتشار، مخاوف من استغلال الفراغات الأمنية من قبل الجماعات الإرهابية وشبكات التهريب، خصوصًا في المناطق ذات الطبيعة الجغرافية المعقدة.
ومن هذا المنطلق، يرى أنصار القوات المسلحة الجنوبية أن الحفاظ على ما تحقق من مكاسب أمنية يتطلب عدم العودة إلى حالة الفراغ التي عانت منها مناطق جنوبية لسنوات، وأن مواجهة الإرهاب والتهريب تحتاج إلى قوات تمتلك المعرفة بالجغرافيا المحلية والقدرة على الانتشار السريع والتعامل مع التحديات الميدانية.
وفي ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي، تتحول المناسبة كذلك إلى رسالة وفاء للشهداء الذين دفعوا حياتهم ثمنًا للدفاع عن أرضهم، وإلى الجرحى والمرابطين في الجبهات والمواقع الأمنية والعسكرية، الذين يواصلون أداء مهامهم في ظروف صعبة، واضعين أمن مناطقهم وسلامة المواطنين في مقدمة مسؤولياتهم.
كما تمثل الذكرى مناسبة للتأكيد على أهمية بناء مؤسسة عسكرية جنوبية أكثر تنظيمًا وتماسكًا، قائمة على الكفاءة والانضباط والتأهيل، وقادرة على مواجهة المخاطر الأمنية والعسكرية التي تفرضها المرحلة، بعيدًا عن التجاذبات التي قد تضعف المؤسسات وتشتت جهودها.
فالجنوب، بما يمتلكه من موقع جغرافي بالغ الأهمية، يواجه تحديات تتجاوز حدوده البرية، وتمتد إلى سواحله وممراته البحرية وموانئه ومناطقه الحدودية. ولذلك فإن استقرار الجنوب يرتبط بصورة مباشرة بأمن الملاحة الدولية ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتهريب بمختلف أشكاله.
ومن هنا يبرز الدور الإقليمي الذي يمكن أن تؤديه القوات الجنوبية كشريك أمني فاعل في مواجهة المخاطر المشتركة، خصوصًا في مكافحة التنظيمات الإرهابية وحماية خطوط الملاحة وتأمين المناطق الساحلية، متى ما توفرت لها الإمكانات اللازمة والدعم المؤسسي والتنسيق الفاعل مع الأطراف الإقليمية والدولية المعنية.
وبعد 55 عامًا من تأسيس الجيش الجنوبي، تبدو الرسالة الأبرز التي تحملها هذه الذكرى أن المؤسسات العسكرية لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالتضحيات والانضباط والتدريب والتراكم المهني. وما شهدته القوات الجنوبية من إعادة تشكيل خلال السنوات الماضية يمثل، بالنسبة لأنصارها، محاولة لاستعادة مؤسسة عسكرية قادرة على حماية الأرض ومواجهة التهديدات التي تحيط بها.
إن الاحتفاء بهذه الذكرى ليس احتفاءً بالماضي وحده، بل هو أيضًا قراءة للحاضر واستشراف للمستقبل. فالتحديات التي تواجه الجنوب والمنطقة تفرض بناء قوات أكثر احترافًا وتنظيمًا، وتطوير قدراتها في مكافحة الإرهاب وتأمين الحدود والسواحل وحماية المنشآت والممرات الحيوية.
وفي هذه المناسبة، تبقى تحية الوفاء الأولى للشهداء، والتقدير للجرحى، والاحترام لكل من حمل مسؤولية الدفاع عن الجنوب في مختلف المراحل. ويبقى الجيش الجنوبي، في الذاكرة والوجدان الجنوبيين، عنوانًا لتاريخ طويل من التضحية، فيما تظل القوات المسلحة الجنوبية الحديثة أمام اختبار مستمر لإثبات قدرتها على حماية الأمن والاستقرار والتعامل مع تحديات المرحلة المقبلة.
وبين تاريخ يمتد إلى 55 عامًا وواقع جديد تشكلت ملامحه خلال السنوات الأخيرة، يواصل الجيش الجنوبي حضوره في المشهد، حاملًا إرثًا عسكريًا ثقيلًا، وطموحًا لبناء مؤسسة أكثر قوة وتنظيمًا وقدرة على حماية الجنوب، ليبقى يوم التأسيس محطة سنوية يستعيد فيها الجنوبيون تاريخهم العسكري، ويجددون تقديرهم لمن قدموا التضحيات، ويؤكدون أن بناء الأمن والاستقرار سيظل أحد أبرز عناوين المرحلة القادمة.
زر الذهاب إلى الأعلى