بقلم / د. أوهاد محمد
ليست كل الخسارات تقاس، فثمة رجال حين يرحلون يتركون في وجدان الأوطان فراغًا لا تملؤه الأيام، ووجعًا لا تخففه الكلمات، وحين نودع القائد العقيد معاذ علي صالح المعدة ورفاقه الشهداء، فإننا لا نرثي رجالًا غابوا عن الحياة فحسب، بل نقف أمام سيرة من البذل والتضحية، ونستحضر معاني الوفاء والثبات والمسؤولية التي تجسدت في مواقفهم ومسيرتهم، لأن القيادة الحقيقية ليست رتبة تعلق على الكتف، ولا منصبًا يُدون في السجلات، بل موقف يُختبر في الشدائد، ومسؤولية يحملها صاحبها حين تشتد المحن، وعهد يظل حاضرًا في ضمير الرجال.
لقد ترك استشهاد معاذ ورفاقه جرحًا في قلوب أسرهم ومحبيهم وزملائهم، وفتح أبواب الحزن في بيوت كانت تنتظر عودتهم؛ فهؤلاء الشهداء لهم أسر تحتاج إلى من يقف إلى جانبها، ويخفف عنها ثقل الفقد، وإن الوفاء الحقيقي للشهداء يبدأ من مواساة ذويهم، والاهتمام بأسرهم.
إن الأوطان لا تبنى بالشعارات وحدها، وإنما تبنى بجهود أبنائها، وبإخلاص من يتحملون المسؤولية، وإن رحيل القادة والرفاق يضع أمام الجميع مسؤولية الحفاظ على تماسك المجتمع، وصون المؤسسات، وتغليب الحكمة، والتمسك بالثوابت الوطنية، والعمل من أجل مستقبل أكثر أمنًا واستقرارًا؛ فالتضحيات لا ينبغي أن تتحول إلى مناسبة للحزن، بل إلى تعزيز وحدة الصف، وترسيخ قيم المسؤولية والانضباط، وحماية الإنسان الذي تظل كرامته وحقه في الحياة غاية كل جهد وطني.
إن الكلمات مهما بلغت من البلاغة تظل عاجزة أمام ألم الرحيل غير أن الذاكرة تحفظ مواقف الرجال، والتاريخ لا يختزل سيرة الإنسان في لحظة، بل ينظر إلى ما تركه من أثر وما مثّله من قيم، وستظل ذكراكم حاضرة في وجدان من عرفوكم، وفي دعوات من احبوكم، وفي قلوب الأسر التي تنتظر من الجميع أن يكونوا أوفياء لحقها في الرعاية والكرامة.
رحم الله القائد العقيد معاذ علي صالح المعدة ورفاقه الشهداء، وأسكنهم فسيح جناته، وألهم أهلهم وذويهم وزملاءهم جميل الصبر وحسن العزاء، ونسأل الله أن يحفظ الجنوب وأهله، وأن يجنب أبناءه مزيدًا من الفقد، وأن يجعل الأيام القادمة أيام أمن وسلام واستقرار.
زر الذهاب إلى الأعلى