بقلم / د. أمين العلياني
في توقيت إقليمي شديد التعقيد، حيث تتقاطع الأزمات وتتشابك التحالفات وتتصارع المشاريع، جاءت تغريدة الرئيس عيدروس الزبيدي بمناسبة الذكرى الرابعة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر؛ لتشكل نقطة تحول نوعية في الخطاب السياسي الجنوبي، متجاوزًا الإطار الاحتفالي التقليدي للمناسبات الوطنية؛ ليتحول إلى وثيقة استراتيجية متكاملة تحمل أبعادًا سياسية وعسكرية وأمنية عميقة، وتؤسس لمرحلة جديدة من المواجهة والتعبئة، وهو ما يكشف عن قراءة دقيقة للقيادة الجنوبية لطبيعة المرحلة وإدراك عميق بأن الصمت أو التأجيل قد يُفسر كضعف أو تراجع في لحظة فارقة تتقاطع فيها التهديدات الحوثية في البحر الأحمر والممرات الدولية مع الضغوط الإقليمية والدولية لإعادة ترتيب المشهد شمالًا وجنوبًا ومحاولات مستمرة لتهميش الدور الجنوبي أو تجاوزه، وهذا الأمر الذي جعل استدعاء روح ثورة أكتوبر وربطها بالتحديات الراهنة عملية إعادة توظيف للشرعية الثورية في مواجهة محاولات طمس قضية شعب الجنوب، بحيث تحولت الثورة التي انطلقت عام 1963 ضد الاستعمار البريطاني إلى مرجعية نضالية معاصرة تستمد منها القيادة الجنوبية شرعيتها في مواجهة التحديات الراهنة.
ولم تتوقف دلالة التغريدة عند البعد الرمزي، بل تجاوزه إلى إعلان استنفار شامل تمثل في الدعوة إلى مليونية مركزية في عدن وعموم المحافظات تحت مليونية التعبئة الشعبية العامة للدفاع عن الجنوب العربي، وهي دعوة تحمل أبعادًّا تتجاوز الاحتفال الرمزي لفلسفة؛ جاءتن لتشكل رسالة ردع داخلية وتؤكد أن الجبهة الداخلية متماسكة وغير قابلة للاختراق، ورسالة ردع خارجية تعلن أن أي محاولة للمساس بالجنوب ستواجه بمقاومة شعبية شاملة، وورقة تفاوضية تظهر أن أي تسوية سياسية لا يمكن أن تتجاهل الإرادة الشعبية الجنوبية.
وعلى المستوى العسكري والأمني، أصر التغريدة على التأكيد المباشر على ثنائية الشعب والقوات المسلحة الجنوبية بوصفهما صمامًا أمانًا لا يمكن تجاوزه، وهو تأكيد يحمل دلالات عميقة تتعلق بالرد على محاولات التهميش وتثبيت الشرعية الهاربة على حساب الأطراف الفاعلة على الأرض، إذ إن القوات المسلحة الجنوبية ليست ميليشيا كما يحاول اليوم الزج بها في معارك خارج حدود الجنوب، بل مؤسسة وطنية تحظى بشرعية شعبية، مع تحذير استراتيجي مفاده أن المساس بهذه المعادلة يعني فتح أبواب المواجهة الشاملة، إلى جانب التركيز على إسناد قوات شرطة عدن والحزام الأمني في حماية الجبهة الخلفية واستتباب الأمن في العاصمة عدن بوصفه مؤشرًا على جاهزية الدولة ومنع أي محاولات لإحداث فوضى أو زعزعة استقرار.
أما على المستوى الإقليمي والدولي، فقد وضع التغريدة القوات المسلحة الجنوبية في قلب المعركة الإقليمية والدولية ضد المليشيات الحوثية، موجهًا رسائل متعددة مفادها أن الجنوب هو خط الدفاع الأول عن أمن المنطقة وشريك موثوق في تأمين الملاحة الدولية، وأن تجاهله يعني إضعاف الجبهة المضادة للإرهاب، مع التذكير بأن المجلس الانتقالي والقوات الجنوبية ليسوا طرفًا محليًّا يسهل تجاوزه، بل الشريك الأكثر جدية في تأمين خطوط التجارة العالمية ومحاربة الإرهاب، وبالتالي فإن أي تسوية قادمة لا يمكن أن تتجاهل وزنهم السياسي والعسكري.
وعلى الصعيد الوطني، جاءت الدعوة إلى الاحتشاد في مليونية أكتوبر بطرق سلمية، لتؤكد التزام المشروع الوطني الجنوبي بالعمل السياسي والجماهيري المشروع مع الاحتفاظ بحق الدفاع المشروع عن النفس في الميادين العسكرية، في وقت يحمل فيه تأكيد الخطاب على أن قضية الجنوب لم تعد تخفى على أحد إعلانًا بأن مسار تقرير المصير واستعادة الدولة بات أمرًا واقعًا ومكرسًا على الأرض لا يمكن تجاوزه في أي هندسة سياسية مقبلة لليمن أو المنطقة.
ولم تخلُ التغريدة للرئيس الزبيدي من رسائل ضمنية للمتحالفين مفادها أن الجنوب ليس تابعًا بل شريك استراتيجي وأن الدعم يجب أن يقابله اعتراف بالدور والمكانة وأن أي محاولة للالتفاف على قضية شعب ستواجه برفض شعبي، ورسائل أخرى للمعارضين بأن الجنوب ليس ورقة قابلة للمساومة وأن الشعب الجنوبي لن يقبل بأي حلول منقوصة وأن التعبئة الشعبية هي رسالة بأن البديل عن الحل السياسي هو المواجهة. وبهذا تمثل تغريدة الرئيس عيدروس الزبيدي خارطة طريق مرحلية ترتكز على معادلة دقيقة تجمع بين الصلابة العسكرية في الجبهات واليقظة الأمنية في المدن والشرعية الشعبية عبر الاحتشاد الجماهيري، فهي تغريدة وضعت الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية، مؤكدًا أن الجنوب العربي باقٍ كقوة إقليمية فاعلة ومستقلة بقرارها وبخيارات شعبها، ولم يكتفِ برسم صورة الواقع بل رسم أيضًا صورة المستقبل الذي يريده الجنوبيون وأعلن بصوت عالٍ أن أي محاولة لتجاوزهم أو تجاهلهم لن تنجح، وهو ما يطرح سؤالًا محوريًّا حول انعكاسات هذه التعبئة الشاملة والضغط الميداني والسياسي على مسار التسوية السياسية الشاملة التي ترعاها الأطراف الإقليمية والدولية في المنطقة، وهل يمكن أن تشكل هذه التعبئة ورقة ضغط تفاوضية أم أنها قد تؤدي إلى تصعيد يتحمل عواقبه من يتجاوز إرادة شعب الجنوب وحق المشروع في التفويض واختيار من يمثله ويعبر عن تطعاته.
زر الذهاب إلى الأعلى