اخبــار الضـالع

14 أكتوبر المجيد.. محطة فارقة في تاريخ الجنوب

14 أكتوبر المجيد.. محطة فارقة في تاريخ الجنوب

في الرابع عشر من أكتوبر عام 1963، لم تكن الرصاصة الأولى التي انطلقت من جبال ردفان الشماء مجرد رصاصة، بل كانت إعلان ميلاد أمة، وصرخة شعب قرر أن يكسر قيد استعمار جثم على صدر الجنوب لأكثر من 129 عاماً.

إنها ذكرى لا تُنسى، ذكرى كتبها التاريخ بدماء الرجال الشرفاء، رجال لم يخرجوا من أجل منصب أو مال أو جاه، بل خرجوا من أجل كلمة واحدة هي “الوطن”.

أبناء الجنوب.. تضحيات تسطر بماء الذهب

من عدن الثائرة إلى حضرموت الأبية، ومن شبوة الصمود إلى أبين الوفاء، ومن المهرة وسقطرى إلى لحج الخضيرة، هب أبناء الجنوب عامة كرجل واحد. قدموا قوافل من الشهداء، تركوا بيوتهم وأولادهم، وسكنوا الجبال والوديان، تقاسموا كسرة الخبز وشربة الماء، وتحملوا قسوة الطبيعة وبطش آلة الاستعمار البريطاني، وكل ذلك من أجل طرد المحتل وبناء دولة وطنية حرة.

لم تكن ثورتهم ثورة قبيلة أو منطقة، بل كانت ثورة وطن، كان هدفهم واضحاً: استقلال الجنوب وبناء دولة النظام والقانون، دولة العدالة والمساواة.

ردفان.. مصنع الرجولة ومهد الثورة

وإذا كان لكل ثورة قلب ينبض، فإن قلب ثورة أكتوبر كان ردفان.

ردفان التي لا تُذكر ثورة أكتوبر إلا وتُذكر معها. رجالها هم من فجروا الشرارة الأولى بقيادة الشهيد البطل راجح بن غالب لبوزة. من قمم جبالها الوعرة تعلم الثوار معنى الصبر والتضحية والثبات.

أبناء ردفان خاصة ضربوا أروع الأمثلة في الفداء. كانوا يقاتلون بإمكانيات بسيطة، ببنادق قديمة أمام ترسانة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، لكنهم كانوا يملكون ما لا يملكه العدو: الإيمان بالحق وحب الوطن.

تاريخ ردفان يشهد أن أبناءها كانوا أول من قدم الدم، وأول من ضحى، وآخر من سأل عن الثمن.

رجال شرفاء.. خرجوا ليبنوا لا لينهبوا

وهنا يكمن جوهر ومجد ثورة أكتوبر الحقيقي، وهنا هو الفرق بين الأمس واليوم.

لقد كانت هناك رجال شرفاء، بكل ما تحمله الكلمة من معنى.

رجال لا تسرق ولا تنهب.
رجال لا تبحث عن غنيمة ولا عن فيد.
رجال خرجت من بيوت من طين، ولكن قلوبها من ذهب.
خرجت وهي حافية القدمين، ممزقة الثياب، لكنها مرفوعة الرأس.

لم يكن في قاموسهم شيء اسمه محسوبية أو مناطقية أو فساد. لم يقاتلوا ليستبدلوا مستعمراً أجنبياً بمستعمر محلي، ولم يثوروا ليضعوا أبناءهم وأقاربهم في المناصب. كان شعارهم “الوطن للجميع”.

كان القائد يتقدم الصفوف بنفسه، يأكل مما يأكل منه جنوده، وينام على الأرض معهم. كان المناضل يعود إلى بيته بعد الاستقلال كما خرج منه، لا يملك إلا سمعته الطيبة وذكراه العطرة.

لقد خرجوا من أجل طرد الاستعمار وبناء دولة وطنية، دولة مؤسسات، بعيدة كل البعد عن المحسوبية والوساطة والفساد، دولة يكون فيها المواطن سواسية أمام القانون، لا فرق بين ابن الشيخ وابن الفقير.

تلك هي روح أكتوبر التي يجب أن نستعيدها اليوم. ذكرى 14 أكتوبر ليست مجرد احتفال وخطابات، بل هي تذكير لنا بأن الجنوب بُني بتضحيات الشرفاء، وأن ردفان قدمت درساً في أن الكرامة لا تُشترى، وأن الأوطان لا تُبنى بالنهب والسرقة، بل بالصدق والأمانة والتضحية.

رحم الله شهداء أكتوبر الأبرار، من لبوزة إلى عنتر وشائع وعلي أحمد ناصر عنتر وكل شهداء الجنوب، وعاشت ذكرى أكتوبر المجيدة حية في قلوبنا.

كتب /محمد عبدالفتاح العمري

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى