مقالات وتحليلات

صواريخ الحوثي على الجنوب.. آخر مسمار في نعش الوحدة

صواريخ الحوثي على الجنوب.. آخر مسمار في نعش الوحدة

كتب / د. ياسر باحاج

شهدت الوحدة اليمنية التي أُعلنت عام 1990 الكثير من المنعطفات، لكن الوقائع الحالية على الأرض تشير إلى أنها لم تعد سوى حبر على ورق، وتأتي الهجمات المستمرة بالصواريخ الباليستية والمسيّرات التي تطلقها جماعة الحوثي باتجاه المحافظات الجنوبية لتضع الحد الفاصل والأخير، وتدق مسماراً ثابتاً في نعش هذا المشروع السياسي الذي تهاوت أركانه منذ زمن. 

إن ما يرتكبه الحوثي اليوم في شمال اليمن من سياسات قمعية، وإقصاء ممنهج، وظلم اجتماعي صبغ الحياة هناك بلون واحد، يبرهن على أن فكرة الشراكة أو التعايش في إطار دولة موحدة قد تلاشت تماماً، ولم يكتف الحوثي بإحكام قبضته الحديدية على الشمال، بل واصل توجيه آلة حربه وصواريخه الباليستية نحو الجنوب، في محاولة بائسة لتركيع شعب أعلن بوضوح فك ارتباطه النفسي والسياسي بمركز صنعاء، وهذا الإصرار الإجرامي والصلف الحوثي يمثل عسكرياً وسياسياً الإعلان الرسمي والعملي عن انتهاء الوحدة، إذ لا يمكن لأي مشروع وحدوي أن يستقيم وصواريخ أحد الأطراف تقصف الطرف الآخر وتستهدف مقدراته وأمنه. 

وفي المقابل، تبذل قوى إقليمية وازنة، جهوداً حثيثة ومضنية لمحاولة الحفاظ على هيكل الوحدة اليمنية، إلا أن هذه الرغبة والمساعي الدبلوماسية اصطدمت بصخرة الصلف الحوثي الذي لا يؤمن بالحلول الوسطى، كما أن تلك الجهود الإقليمية باتت تواجه تحدياً داخلياً معقداً في الشمال، حيث يبدو الشارع هناك تحت وطأة القبضة الحوثية في حالة انبطاح واستسلام للأمر الواقع، دون وجود حراك شعبي حقيقي قادر على إسناد هذه الجهود أو مواجهة المشروع الحوثي، مما يجعل مراهنة الإقليم على التغيير من الداخل الشمالي رهاناً غير مضمون على المدى المنظور. 

وأما على جبهة الحكومة الشرعية، فالصورة تبدو أكثر قتامة، فقد خيبت هذه الحكومة آمال حلفائها في التحالف العربي، وظهرت على حقيقتها ككيان هلامي بلا قاعدة شعبية صلبة، وبلا نفوذ حقيقي على الأرض، وإن التدقيق في بنية هذه الشرعية يكشف أنها لا تتعدى كونها مجموعة من بقايا الصف الثالث لنظام الرئيس صالح، وهم في الغالب شخوص عُرفوا في الماضي بأنهم عديمو الأثر والأهمية السياسية، لكن الظروف وضعتهم في الصدارة، مما دفع التحالف للتعامل معهم من منطلق تسيير المرحلة بالموجود والمتاح، ومن هنا يتضح أن الانتصارات والتمدد الذي حققه الحوثي على مدار السنوات الماضية لم يكن نابعاً من تفوق عسكري كاسح أو قوة لا تُقهر، بل كان نتيجة مباشرة لضعف هذه الشرعية التي قدمت أسوأ أداء سياسي وإداري في تاريخ اليمن الحديث، تاركةً فراغاً كبيراً استغلته الجماعة لإحكام سيطرتها. وأمام هذا المشهد المتشظي، يتبين أن الوحدة قد انتهت رسمياً وفعلياً من بوابة الشمال أولاً، الذي بات محكوماً بأيديولوجية مغايرة تماماً لبقية الجغرافيا اليمنية، ولم يعد أمام القوى الإقليمية والمجتمع الدولي سوى القبول بالواقع والتعامل مع معطياته بشجاعة سياسية، إن مصلحة الأمن الإقليمي والدولي، وتأمين ممرات الملاحة الاستراتيجية، تفرض اليوم الوقوف بوضوح مع تطلعات الشعب الجنوبي ودعم خياراته، لا سيما وقد أثبتت القوات الجنوبية أنها الشريك الأكثر كفاءة وجدية في مكافحة الإرهاب والتصدي للمشروع الحوثي، وبالتالي فإن إعادة إحياء دولة الجنوب هو المرتكز الأساسي، وأحد أهم المفاتيح الضامنة لإعادة التوازن والاستقرار المستدام في شبه الجزيرة العربية وباب المندب.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى