مقالات وتحليلات

السفر الذي لا يحتاج جوازًا أو تأشيرة

السفر الذي لا يحتاج جوازًا أو تأشيرة

بقلم: مشتاق العلوي ابو وعد 

عنوان غريب، أليس كذلك؟

نعم، قد يبدو كما تظن، لكنه مختلف تمامًا. إن للمرء أن يسافر ويحلق في الآفاق البعيدة حيث يشاء وحيث يريد، فقط عليه أن يحدد الزمان والمكان الذي يريد السفر إليه.

لكن دعني أخبرك أن هذا السفر مختلف عن السفر المتعارف عليه؛ فلا طائرة ولا مركبة ولا حصان ستحملك إلى حيث تريد. بل ستسافر عبر الخلوة والانسجام، عبر الكلمات والنصوص. أليس هذا مدهشًا حقًا؟ إنها الحقيقة التي لا غبار عليها، فأنا مسافر على الدوام، ولا يكاد يمر عليَّ أسبوع دون رحلة. نعم، إن بإمكان الإنسان السفر عبر الزمن من خلال قراءة الكتب والروايات والقصص المدونة بين صفحات الكتب، والتحليق حيث يشاء بلا قيد أو حاجز.

من واقع تجربة شخصية، فقد عدت قبل بضعة أيام من جمهورية روسيا العظمى، بعدما مكثت فيها قرابة نصف شهر. تحديدًا، اخترت رحلتي إلى مقاطعة “طبر سبرج” في القرن التاسع عشر. نعم، إنه السفر عبر الزمن، ذلك السفر بين النفس والعقل، وذلك عندما قرأت رواية { الجريمة والعقاب} للفيلسوف الروسي *ديستوفيسكي* 

فقد تجولت في شوارع المدينة وأزقتها وضفافها، برفقة أهلها الذين يرتدون القبعات المنسوجة من القطن الناعم. شاهدت الفقر المدقع الذي يخيم على الغالبية هناك، ورأيت الشوارع تضج بالأحصنة التي تسبب زحامًا وحوادث. مررت بالحانات المنتشرة في كل زاوية، حيث يُباع الخمر بكثرة. وقد تيقنت أن هذا الشراب المسكر هو السبب الأول في العديد من المشكلات الاجتماعية هناك.

ثم مساء الأمس، حطّت رحالي في دولة العراق الشقيق، وتحديدًا في مدينة الكوفة. وبينما كنت أتجول في أحد شوارعها، صادفت رجلًا عجوزًا مسنًا يتوكأ على عصاه، ويحمل على ظهره بعض الأمتعة. سألته: “أين ينام الغريب يا شيخ؟” فأخبرني أن عليّ التوجه إلى الحي المجاور، حيث يوجد مسجد يمكنني المبيت فيه. استدار لي بعد خطوات وقال: “من أين أتيت أيها الشاب؟” فأجبته: “أنا مسافر عبر الزمن، أتيت من جنوب اليمن، تحديدًا من مديرية حالمين، محافظة لحج.”

فرحب بي وقال: “أنت ضيفي الليلة.” اصطحبني إلى منزله المتواضع، ونمت عنده حتى الصباح.

في الصباح، أخبرته أن وجهتي المقبلة هي بغداد، فأعارني حصانه العربي أدهم اللون، وأرشدني إلى الطريق. وعندما وصلت إلى بغداد، وجدت العوام يرتدون قبعات بيضاء وسوداء، متسلحين بسلاح العلم والوعي. رأيتهم يتسابقون إلى الأدباء والفقهاء والمشايخ لطلب العلم والمعرفة. كان ذلك مشهدًا بديعًا، مشهدًا يُفرح القلب ويبهج الروح.

في النهاية، لا يحتاج السفر دائمًا إلى جواز وتأشيرة، ولا إلى أجنحة تطير بنا إلى أقاصي الأرض. السفر الحقيقي يبدأ من صفحات الكتب، حيث العقول تنطلق إلى عوالم لا حدود لها. إنه سفر لا تُقيده حدود، ولا تقف في وجهه حواجز. إنه دعوة لكل من يبحث عن تجربة فريدة، أن يفتح كتابًا وينطلق في رحلته. لأن في السفر مع الكلمات، نكتشف ذواتنا، ونعيد رسم ملامح أحلامنا، ونعود بقلوب أغناها العلم والجمال.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى