أي توازنٍ أخرقٍ هذا، حين تكون مديرية كاملة حطباً للحرب، ولا يُمنح أحد من أبنائها حتى عود ثقاب ليوقد شمعة؟
أي عدلٍ هذا الذي يقتطع منا أبناءنا، ثم لا يمنحنا حتى اسماً في قائمة التعازي والمواساة؟
من ذا الذي قرر أن يكون نصيبنا من الوطن هو ميادين القتال فقط؟ ومن ذا الذي أقنع الجميع أن الأزارق خلقت لتحترق، لا لتعيش؟
من قرر أن نكون طين المعارك؟
من علّم الأزارق أن تصير مقبرةً تمشي؟
من قال لتلك الأرض القاحلة كوني طريقاً للشهداء ولا تتعبي؟!
عفواً يا سادةَ التاريخ!
أريد أن أسأل ولست منتظراً جواباً.
منذ متى كان الموت امتيازاً؟ ومنذ متى صار الصمت مقياساً للوفاء؟ في الأزارق لا نكتب تاريخنا بالحبر، بل بدمٍ لا يجد حتى جداراً يُسجّل عليه، نموت كأننا لا نُجيد شيئاً سواه، ونُبعث في كل جبهة كأننا آخر ما تبقّى لهذا الوطن من جدية. لا نقايض دماءنا بشيء، لكننا نسأل: لماذا لا يقايضنا أحد ولو بكلمة؟
أكتب هذا ليس لأننا نريد عرفاناً، وليس منّةً أو تباكياً، أكتب هذا لأن الكتابة هي التماسك الأخير قبل أن يتحول الغياب إلى عادة.
نحن لا نصرخ لأننا موجوعون، بل لأن الصمت ذاته أرهقنا ولم يسمعنا أحد. لم نكن نريد مجداً ولا مكافأة، كنا نريد فقط أن نُعامل ككائنات من لحم ودم وذكرى.
الجميع ضحّى وليست الأزارق وحدها، نعم أعرف!! لكن الأزارق لم تكن مثل الجميع. لم تكن بندقية فحسب، بل كانت سؤالاً معلقاً فوق كل معركة: من يحصي ومن يكتب ومن يعترف بالحقيقة، أن الظلم أحياناً ليس في الحرب، بل في النسيان؟
في الأزارق.. ليس لأننا نحب الحرب نموت، بل لأن الحياة ضاقت حتى لم نعد نراها إلا من فوهة البندقية.
ومنذ اشتعلت هذه الحرب اللعينة، أطفأت الأزارق ما يقارب سبعمائة شمعة، سبعمائة شاب في ريعان الضوء، في أول العمر، خرجوا من منازلهم وذهبوا ليدافعوا عن وطنٍ لا يعرف حتى أسماءهم، وعادوا نعوشاً لا تسأل عن الطريق.
الجميع قدّم وضحّى… نعم، لكن الأزارق كانت شيئاً آخر. كانت تموت واقفة دون أن يراها أحد.
فبالله أي عدالةٍ هذه التي تقايض الخلود بالصمت؟ ومنذ متى صار الدم سلعة؟ ومنذ متى صار الفقر دافعاً لا بطولة؟
هذا ليس نواحاً، بل استجواباً للتاريخ وهو نائم.
لسنا غاضبين.
الغضب عابر..
نحن متروكون،
والترك أعمق من الغضب.
نحن لا نتباكى، لكن الجبال من حولنا بدأت تفهم لغتنا، وتبكي.
ليس فينا من يُزايد، ولا فينا من يطلب مكافأة، لكن من حقنا أن نسأل: هل يكفي أن نموت كي نصبح مواطنين؟
وهل المطلوب أن نُباد كي يُقال: كانوا عظماء؟!
نريد أن نعرف من نحن؟ هل نحن أهلٌ لوطن لم يحضر عزاءنا؟ أم مجرد سطر هامشي في كتاب نقرؤه ونحرقه دون أن نعرف العنوان؟
أليس في هذا الوطن من سمع نبضاً في قبورنا؟ أو خجل من عد شهدائنا؟
كل أسبوع نفتح قبراً جديداً، ندفن فيه قلب أم، وأحلام أب، وضحكة أخ، ثم نعود إلى بيوتنا المتهالكة، إلى الطحين المر، إلى كسرة الخبز المقسومة بين عشرين فم، إلى انتظار آخر للشهادة القادمة.
الأزارق ليست فقيرة بالرجال، بل غنية بالشهداء… لكنها تُركتْ فقيرة في كل شيء آخر.
نحن أبناء الأزارق نقاتل لأن لا خيار لنا سوى أن نقاتل، لأن الحياة هنا لا تمنحنا إلا سبباً واحداً للبقاء: وهو أن نُدفن بكرامة.
نحن أبناء الأزارق لا نجيد صناعة الضجيج، لأننا مشغولون بتجهيز قبورنا. لا نُتقن فن التسويق السياسي، لأننا نتقن فن الموت النظيف.
ختاماً.. نحن أبناء هذه المديرية الصلبة، لم يكن لدينا متسع من الزمان لنسأل: هل الوطن يتذكر أسماء من يكتبونه بالدم؟
كل ما عرفناه أن الشمس كانت تمر من هنا خجلى، تتوضأ بدموع الأمهات، وتغيب دون أن تحني رأسها لشهيد.
أكتب لكم هذا ليس احتجاجاً، بل أكتبه لأننا ما زلنا نحيا رغم كل مقابرنا، وما زال فينا متسع لوجع نبيل، لا يعرف البكاء، لكنه يعرف كيف يربك العابرين من فوق جماجمنا.
كتب | #خطاب_ناصر
زر الذهاب إلى الأعلى