كتب / عبدالسلام محمد قاسم
حين أُعلن عن تشكيل المجلس الرئاسي المكوّن من ثمانية أعضاء، رُوّج له باعتباره خطوة نحو لملمة الصف وتوحيد القرار، غير أن الواقع سرعان ما كشف هشاشة هذه الصيغة، إذ إن المجلس لم يُبنَ على قاعدة شراكة وطنية حقيقية، بقدر ما كان نتاجًا لفرض إقليمي من التحالف بقيادة السعودية، وفق حسابات سياسية وجغرافية آنية، لم تأخذ في الاعتبار البُعد الاجتماعي ولا التعقيدات السياسية المتجذّرة.
في علم الإدارة، إذا زاد عدد الشركاء دون وضوح في الرؤية والمهام، يتحول الكيان إلى ساحة خلافات بدلاً من منصة إنجاز. فما بالك بمجلس يضم ثمانية أطراف متباينة، لا يجمعها مشروع وطني واحد، بل تفرقها المصالح والطموحات! النتيجة الحتمية: مماحكات، شلل في القرار، واستنزاف للوقت والجهد.
الأمر لا يقف عند حدود الخلافات الشخصية أو السياسية، بل يمتد إلى طبيعة التركيبة نفسها؛ فالمجلس يضم أطرافًا من شمال البلاد وجنوبها، بينما الواقع يقول إن هناك رؤى متباعدة وطموحات مختلفة بين الشعبين. وهكذا أصبح المجلس انعكاسًا للأزمة بدلاً من أن يكون مدخلًا للحل.
حلول مطلوبة قبل الانهيار
اليوم، المسؤولية تقع على التحالف والرباعية الدولية لإيجاد مخرج واقعي يعيد تصحيح المسار، ومن أبرز الخطوات العاجلة:
إعادة هيكلة المجلس: تقليص العدد وتشكيل هيئة أكثر انسجامًا وقدرة على صناعة القرار.
برنامج وطني واضح: لا محاصصة شكلية، بل خطة تحدد أولويات المرحلة الانتقالية.
حوار صريح بين الشمال والجنوب: لصياغة علاقة سياسية واضحة، سواء في إطار دولة اتحادية أو صيغة متفق عليها تحفظ الحقوق وتمنع الصدام.
إشراك القوى الفاعلة على الأرض: حتى لا يبقى المجلس مجرد واجهة بلا تأثير.
تعزيز الحاضنة الشعبية: فبدون ثقة الناس لن يمتلك أي مجلس شرعية ولا قدرة على الاستمرار.
كلمة أخيرة
الشراكة التي لا تُبنى على الثقة والرؤية المشتركة، مصيرها الفشل مهما كانت الشعارات براقة. والمجلس الرئاسي بصيغته الحالية يقف على حافة الانهيار ما لم يتم إنقاذه بقرارات جريئة وحلول واقعية. إن الاستقرار في اليمن لن يتحقق عبر فرض صيغ فوقية، بل من خلال شراكة وطنية حقيقية تُلبي تطلعات الناس في الشمال والجنوب لا حسابات الخارج.
ولعل الحكمة الشعبية التي قالتها الوالدة الحجة تختصر الطريق حين علّقت على كل هذا الجدل قائلة:
“كل واحد يحكم بلاده؛ أهل الشمال يحكمون الشمال وأهل الجنوب يحكمون الجنوب… ليش الاقتتال؟”
ثم أضافت ببساطة وصدق:
“عيدروس الزبيدي يحكم الجنوب، وبن عبدالله صالح يحكم الشمال… انتهى الموضوع.”
هذه الكلمات العفوية قد تبدو بسيطة، لكنها في جوهرها أعمق من كل النقاشات السياسية، لأنها تعكس صوت الشعب المرهق من الحروب والتجاذبات، الباحث عن حل عملي ينهي الصراع. فالتشخيص البسيط للمشكلة، كما قالت الوالدة، قد يكون بالفعل أقرب طريق إلى الحل.
زر الذهاب إلى الأعلى