كتب : علي محمد سيقلي
في زمنٍ كانت فيه المحاكم تُعقد على الأرض، كان القاضي يستمع، ويقارن الدفوع، ثم يحكم.
أما اليوم، فقد اختُصر كل ذلك في زرّ صغير اسمه: “إبلاغ”.
كتبتُ مقالًا عن “أنبوب نفط”، طرحته جهةٌ معروفة بحماسها للمشاريع العابرة، فاستيقظتُ بعد ساعات لأجد نفسي أنا الذي تم تمريره عبر الأنبوب… لكن هذه المرة إلى خارج المنصة.
لا محاكمة، لا استدعاء، لا حتى تهمة مفهومة. فقط رسالة مهذبة تقول: لقد انتهكتَ “الخصوصية”!
وأنا، الذي بالكاد أجد خصوصيتي في هذا العالم، اكتشفت فجأة أنني خبير في انتهاك خصوصيات الآخرين.
يبدو أن هناك من قرأ المقال بعينٍ لا تبحث عن الفكرة بقدر ما تتحسس من أثرها، فاختار الطريق الأقصر: الإبلاغ.
وهكذا، تحوّلت الخوارزميات إلى قاضٍ لا يقرأ النصوص، بل يُحصي عدد الأصابع المرفوعة.
المفارقة أنني لم أذكر اسم شخص، ولم أقترب من حياة أحد الخاصة، بل تحدثت عن “سياسات” تمشي على قدمين، وتوقّعت أن تُناقشني بالحجة، لا أن تُسابقني بالبلاغات.
لكن يبدو أن في هذا العالم، من لا يملك ردًا… يملك شبكة جاهزة للضغط على زر واحد.
وهنا، لا تعود المسألة حرية رأي، بل سباقًا خفيًا:
من يُبلّغ أولًا؟
ومن يُسقط الآخر بضربة خوارزمية سريعة؟
اللافت أن المنصة، بكل حيادها المبرمج، لا تسأل:
هل ما كُتب صحيح؟
هل هو رأي مشروع؟
هل يستحق النقاش؟
بل تكتفي بسؤال واحد:
كم عدد الذين انزعجوا؟
وإذا كان الانزعاج معيارًا للحقيقة، فربما علينا أن نعيد كتابة التاريخ وفق مزاج الغاضبين، لا وفق الوقائع.
في النهاية، خرجتُ بدرسٍ بسيط:
في هذا الفضاء، لا تحتاج إلى أن تكون مخطئًا كي تُعاقب،
يكفي أن تكون مزعجًا بما يكفي.
أما أنا، فسأحاول في المرة القادمة أن أكتب مقالًا أكثر “راحة”…
مقالًا لا يزعج أحدًا،
ولا يوقظ أحدًا،
ولا يُقرأ أصلًا.
فذلك، على ما يبدو، هو الطريق الوحيد للنجاة من محكمة…
لا قضاة فيها، بل خوارزميات.
وسلامتكم.
زر الذهاب إلى الأعلى