بقلم / محمد باقديم
يُمثل “إعلان عدن التاريخي” الوثيقة التأسيسية التي نقلت القضية الجنوبية من العمل الثوري المشتت إلى العمل السياسي المنظم. وقد تجسد هذا التحول في ملحمتين سياسيتين؛ بدأت في العاصمة عدن (4 مايو) بوضع حجر الأساس والتفويض، واكتملت في المكلا بحضرموت ( لتوجيه الرسالة الأقوى للعالم.
1. التحول الاستراتيجي (ما بعد 4 مايو):
أرسى الإعلان قاعدة أن ما بعد هذا التاريخ ليس كما قبله، وهو ما تُرجم عملياً بتأسيس المجلس الانتقالي الجنوبي كحامل سياسي موحد. هذا التحول أنهى زمن غياب المرجعية ومنح الجنوب صوتاً رسمياً واحداً في المحافل الدولية، محولاً إياه من “طرف مطالب” إلى “شريك شرعي” فرض وجوده في اتفاق الرياض وكافة تفاهمات السلام الإقليمي.
2. حضرموت “روح الجنوب” ورسالة الثقل:
لم يكن الانتقال من عدن إلى المكلا مجرد صدفة، بل تأكيد استراتيجي على أن حضرموت هي روح الجنوب وعمقه التاريخي. خروج حضرموت بهذا الزخم قطع الطريق على محاولات التجزئة، وأثبت للعالم أن المشروع الجنوبي يرتكز على قاعدة جغرافية صلبة تمتد من باب المندب إلى المهرة، مما عزز القوة التفاوضية للقيادة الجنوبية وجعل من صوتها صوتاً يعبر عن إرادة الأرض والإنسان.
3. فلسفة الشراكة (الجنوب لكل وبكل أبنائه):
اعتمد الإعلان مبدأ “التوافق والشراكة الوطنية” كضمانة للمستقبل. سياسياً، أثبت هذا النهج أن استقرار الجنوب يبنى بجميع أبنائه دون إقصاء، وهو ما تكرس لاحقاً في “الميثاق الوطني الجنوبي”، الذي حول التنوع الجنوبي من مصدر قلق إلى مصدر قوة واصطفاف وطني شامل يرفض التهميش ويؤسس لدولة المواطنة المتساوية.
الخلاصة:
لقد نجح إعلان عدن، وما تلاه من زخم في المكلا، في صياغة عقد اجتماعي وسياسي جديد؛ حول الإرادة الشعبية إلى قوة سياسية معترف بها، وجعل من “الشراكة الوطنية” والالتفاف حول حضرموت وعدن صمام أمان لاستعادة الدولة وبناء مستقبل يتسع للجميع.
زر الذهاب إلى الأعلى