مقالات وتحليلات

فريق الحوار الجنوبي: الدينمو الوطنية الصلبة في زمن التحديات

فريق الحوار الجنوبي: الدينمو الوطنية الصلبة في زمن التحديات

بقلم: د. أمين العلياني

في زمنٍ تضطرب فيه الرايات، وتتشابك فيه المسارات، وتتلاطم فيه أمواج السياسة بمخالبها العاتية، تبرز الحاجة إلى بوصلةٍ لا تُخطئ وجهتها، وإلى نبضٍ لا تخفت دقّاته، وإلى صوتٍ يصدح بالحق حين تتهامس الحناجر بالريب. وفي خضم هذا المشهد الجنوبي الملحمي، حيث يُصاغ القدر على صهوة الإرادة، ينتصب “فريق الحوار الوطني الجنوبي” شامخًا، لا بوصفه كيانًا استشاريًّا حواريًّا أو هيكلًا تنظيميًّا عابرًا، بل دينمو وطنيةٍ لا تكلّ، وروحًا صانعةً لجسد المشروع التحرري، توقد شرارة الفكرة، وتصوغ وهج الكلمة، وتُحكم نسج المبادئ وتقارب التوجّهات نحو نضالٍ جنوبيٍّ جمعيّ، يقوم على التشارك ويجسّد وحداويّة الهدف في استعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية كاملة السيادة.

وجاءت ندوة اليوم، التي احتضنها مقرّ الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي، بعنوان “الميثاق الوطني الجنوبي من وثيقة التوافق إلى مشروع شراكة وطنية (الذكرى والدلالات)”، متوّجةً مناسبةَ الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، والذكرى الثالثة لانعقاد اللقاء التشاوري الأول لتوقيع الميثاق الوطني الجنوبي، لتكون تتويجًا لمسيرة حوارية مضنية، وتجسيدًا حيًّا للدينمو التي يضطلع بها الفريق، تحت رعاية فخامة الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي. وفي قلب هذا الحدث الاستثنائي، وقف السفير عبد الكريم أحمد سعيد، رئيس الفريق، كقائد أوركسترا النشيد الوطني، لا ليلقي خطابًا تقليديًّا، بل لينسج بقيثارة الحكمة لحنًا جديدًا، عنوانه العريض: “من التفويض إلى المشاركة، ومن التوافق إلى الشراكة الوطنية”.

لقد أدرك السفير عبد الكريم أحمد سعيد ورفاقه، بحسّهم الوطني الرفيع ورؤيتهم الثاقبة، أنّ ذكرى إعلان عدن وذكرى الميثاق ليستا مجرّد محطّتين زمنيّتين للاحتفاء العابر، بل هما شريانان متّصلان يغذّيان جسد قضية شعب، ومشروع وطن يبحر صوب استعادة دولة الجنوب المستقلّة. فحين بارك لفخامة الرئيس القائد على تجديد التفويض الشعبي في الرابع من مايو 2026م، لم تكن كلماته بروتوكولًا سياسيًّا، بل كانت تأكيدًا على أنّ الشرعية الثورية لا تُستجدى ولا تُوهب، بل تُستمدّ من نبض الملايين وحدها، التي انفجرت من عدن فحضرموت فالمهرة فسقطرى. وحين ربط بين البيان السياسي والإعلان الدستوري بوصفهما خارطة طريق، كان يقرأ ببصيرة العرّاف ملامح المرحلة، ويضع يده على الجوهر: إنّ النضال بلا دليل دستوري سفينةٌ بلا دفة، وإنّ إرادة الشعب بلا ميثاقٍ تظلّ طاقةً هائلةً بلا وعاء.

أما جوهر الرسالة، فتجلى في قدرة فريق الحوار على تحويل المصطلحات السياسية الجافة إلى كائنات حيّة نابضة. لقد شرحت أوراق الندوة اليوم “مبادئ الميثاق الوطني الجنوبي” حتى غدت وثيقته المكتوبة ليست مجرّد ورق، بل عبورًا تاريخيًّا، نقلت الفعل السياسي الجنوبي من مربع “ردّة الفعل” إلى مربع “الفعل الصانع للتحوّل”. وهنا تكمن عبقرية السرد السياسي لدى فريق الحوار؛ فهم لا يعظون ولا يلقّنون، بل يأخذون بيد السامع من مرحلة التفويض، حيث كان الشعب وقودًا للمشروع، إلى مرحلة المشاركة، حيث يصبح الشعب شريكًا فاعلًا ومعماريًّا لدولته. إنه خطابٌ يمنح الميثاق بُعدًا وطنيًّا، إذ يحيله من نصوص جامدة إلى ميثاق دمٍ يربط النخبة بقاعدتها، وعهدٍ قاطعٍ ألّا تكون النخبة إلّا مرآةً لتطلّعات الشعب.

لقد استطاع فريق الحوار الجنوبي، بقيادة السفير سعيد، أن ينجز معادلةً خلّاقة في ساحة السياسة: جعلت الميثاق الوطني الجنوبي مرجعيةً قانونيةً وسياسيةً ووطنيةً لا تقصي أحدًا ولا تذوب في أحد. في زمن التحديات، حيث تحاول قوى التتويه والنكوص بالجنوب إلى مربّعات الانقسام والصراعات الصفريّة، أمسك هذا الفريق بالجمر، وصهره في بوتقة التوافق. إنهم حرفيّو الإجماع، الذين نقلوا حالة التشتّت من إدارة الخلاف إلى إدارة الشراكة الوطنية. وهذا بالضبط ما تنبّه إليه الفريق حين دعا إلى توسيع دائرته ليغدو “هيئةً مستقلّة” تُعنى بتقارب الجهود وتوحيدها، في رؤية استباقية تستشرف خطر التشرذم، وتقيم سدًّا من الترابط الوطني أمامه.

ولعلّ أعمق ما في هذه التجربة، أنّ فريق الحوار الجنوبي استطاع أن يلتقط بإبداعٍ نادر الجوهرة المخبوءة في الميثاق: “صقل المشروع التحرري وإرساء مداميك النضال”. فالميثاق، في نظرهم، ليس خطّ النهاية، بل هو البداية الأكثر تعقيدًا وجمالًا. إنه مشغل النضال، حيث تُطرق المعادن الخام لتتحوّل إلى سيوف من نور، وحيث تتحوّل آلام الجنوب وأوجاعه إلى طاقة خلق لا تنضب. لقد جسّد الفريق دور “الدينمو الوطنية”؛ فهو مولّد التيار الهادئ الذي يضخّ الطاقة في كلّ شرايين العمل السياسي والعسكري والاجتماعي، مؤكّدًا أنّ استعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية كاملة السيادة ليست مجرّد هدف، بل هي عملية بناء يوميّة، خليّتها الأولى هي التوافق، ودمها هو الحوار، وهيكلها العظمي هو المؤسّسية.

في حضرة هذا الإنجاز، يقف المرء إجلالًا لهذا الصرح الفكري الذي نسجه فريق الحوار الجنوبي، حتى صاروا في نظر المشاركين ليسوا مجرّد منظّمي ندوة، بل حرّاسًا للمعنى في زمن ضياع المعاني. لقد ذكّرونا بأنّ الكلمة حين تُصاغ بعناية القاضي وحكمة الحكيم، تصبح أقوى من الرصاص، وأنّ الحوار حين يُدار بعقلية المهندس وقلب المقاتل، يصبح هو الجسر الوحيد الذي تعبر عليه الأمم إلى شاطئ الحرية.

إنّ “فريق الحوار الجنوبي” اليوم، وهو يقف في خندق الوعي، إنّما يكتب بشرفٍ الفصلَ الأكثر إشراقًا في ملحمة الجنوب، فحين تتداعى الجبال، تبقى هذه الدينمو الصامتة تعمل بإيمان، لتُخرج من رحم المستحيل، وطنًا.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى