صوت الضالع/تقرير/فاطمة اليزيدي:
منذ عقود، والجنوب العربي يدفع ثمن موقعه وثروته وتاريخه وهويته الوطنية. لم تكن المعركة التي يخوضها شعب الجنوب مجرد خلافٍ سياسي عابر، بل كانت سلسلة طويلة من المؤامرات المركبة التي استهدفت الأرض والإنسان والقرار والسيادة، في محاولةٍ مستمرة لإخضاع شعبٍ عُرف عبر التاريخ بأنه شعب الكرامة والكبرياء والرفض لكل مشاريع الهيمنة والابتلاع.
لقد تعرض الجنوب لمؤامرات متعددة الأوجه؛ سياسية، عسكرية، اقتصادية، إعلامية، وخدمية، حتى أصبح المواطن الجنوبي محاصرًا في لقمة عيشه وكهربائه ومياهه ووظيفته وأمنه واستقراره. وما يحدث اليوم ليس صدفة، بل هو امتداد لمخططاتٍ قديمة تتجدد بأدوات جديدة، هدفها إنهاك الجنوب وإغراقه بالأزمات حتى يفقد شعبه القدرة على الصمود أو المطالبة بحقه المشروع في استعادة دولته وهويته الوطنية.
*حرب الخدمات.. السلاح الأقذر ضد الجنوب:
حين عجزت القوى المعادية عن كسر إرادة الجنوبيين في ميادين المواجهة، لجأت إلى سلاحٍ أكثر قذارة: حرب الخدمات والتجويع. تم استهداف الكهرباء بشكلٍ ممنهج، وتعطيل الموارد، وخنق الاقتصاد، ورفع الأسعار، وإضعاف العملة، وتحويل حياة المواطن إلى معركة يومية من أجل البقاء.
لقد أدرك أعداء الجنوب أن الشعوب تُهزم أحيانًا من الداخل حين تُستنزف في معيشتها، ولذلك تم فتح أبواب الفساد والعبث والفوضى لإغراق الجنوب في دوامة الأزمات. لم يكن الهدف فقط إفقار الناس، بل كسر الروح الوطنية وتحويل المواطن من مشروع مقاومة إلى إنسانٍ مرهق يبحث عن النجاة الفردية.
لكنهم فشلوا في فهم حقيقة الجنوبيين؛ فهذا الشعب الذي واجه الحروب والاحتلال والقمع لعقود، لا يمكن أن تكسره ساعات الظلام ولا أزمات الوقود ولا حملات التضليل الإعلامي.
*الإعلام المأجور وتشويه القضية الجنوبية:
واحدة من أخطر المؤامرات التي استهدفت الجنوب كانت الحرب الإعلامية المنظمة. فقد تم تسخير جيوشٍ إلكترونية ومنابر إعلامية مأجورة لتشويه نضال شعب الجنوب، ومحاولة تصوير قضيته العادلة وكأنها أزمة مفتعلة أو مشروع فوضى.
عملت تلك المنصات على بث الإشاعات، وتأجيج الخلافات الجنوبية الجنوبية، وضرب القيادات الوطنية، وإثارة المناطقية والحساسيات الاجتماعية، لأنهم يعلمون أن وحدة الصف الجنوبي هي السلاح الأقوى في مواجهة المشاريع المعادية.
لقد حاولوا صناعة اليأس داخل الشارع الجنوبي، لكنهم تجاهلوا أن القضية الجنوبية لم تولد من خطاب إعلامي حتى تموت بحملة تضليل، بل وُلدت من معاناة شعبٍ كامل ومن دماء آلاف الشهداء الذين سقطوا دفاعًا عن الكرامة والهوية والأرض.
*استهداف الهوية الجنوبية:
لم تكن المؤامرة على الجنوب سياسية فقط، بل كانت أيضًا محاولة ممنهجة لطمس الهوية الجنوبية وتغييب التاريخ الوطني. سعت قوى النفوذ إلى تشويه الوعي الجمعي للأجيال، وإضعاف الانتماء الوطني، وإبعاد الناس عن قضيتهم الأساسية عبر نشر الفوضى الثقافية والسياسية.
فالجنوب بالنسبة لتلك القوى ليس مجرد أرض، بل موقع استراتيجي وثروة وموانئ ومقدرات هائلة، ولذلك كان لا بد ـ من وجهة نظرهم ـ من إبقاء هذا الشعب في حالة إنهاك دائم حتى لا يمتلك قراره وسيادته الكاملة.
لكن الجنوب ظل حاضرًا في وجدان أبنائه، وظلت رايته مرفوعة رغم كل محاولات الطمس والإقصاء.
*الجنوب بين التضحيات والصمود:
رغم كل المؤامرات، أثبت شعب الجنوب أنه شعب لا يُهزم. قدم آلاف الشهداء والجرحى، وتحمل سنواتٍ من المعاناة والحصار والأزمات، لكنه بقي متمسكًا بحقه وهويته وقضيته.
لقد كان الرهان دائمًا على أن الجنوبيين سيتعبون أو ينقسمون أو يتراجعون، إلا أن الواقع أثبت أن حجم المعاناة زادهم إصرارًا ، وأن كل أزمة كشفت حجم الاستهداف الحقيقي لقضيتهم.
إن الجنوب اليوم لا يواجه أزمة عابرة، بل يواجه مشروعًا متكاملًا يستهدف مستقبله السياسي والاقتصادي والوطني، ولذلك فإن المرحلة تتطلب وعيًا شعبيًا كبيرًا، ووحدة صف، ورفضًا لكل محاولات التفكيك والاختراق.
*كلمة أخيرة:
سيبقى الجنوب عصيًا على الانكسار مهما اشتدت المؤامرات وتعاظمت التحديات. فالشعوب التي تناضل من أجل كرامتها لا تموت، والقضايا العادلة لا تسقط بالتجويع ولا بالحصار ولا بحملات التضليل.
قد يطول الطريق، وقد تتعاظم التضحيات، لكن إرادة الشعوب الحرة أقوى من كل المشاريع التي تُحاك في الظلام. والجنوب الذي قدّم التضحيات الجسام، لن يسمح بأن تتحول دماء أبنائه إلى مجرد محطة عابرة في تاريخ الصراع.
فالجنوب قضية شعب… وإرادة وطن… وصوت حق لن يخفت مهما اشتدت العواصف
زر الذهاب إلى الأعلى