كتب/ عبدالسلام محمد قاسم
لا أعرفُ من أين أبدأَ رثاءَك، فالكلماتُ تتهافتُ والأفكارُ تتزاحمُ، وكيفَ يُختزلُ عمرٌ حافلٌ جمعَ بين صقْلِ الأكاديمي العسكريّ، وحنكةِ السياسيّ المخضرم، ووعيِ المثقفِ المدنيّ، وأصالةِ الفلاحِ البسيطِ الذي لم تفارقهِ البساطةُ رغمَ علوِّ الشأن.
لقد صغْتَ من نفسك شخصيةً أسطوريةً، بصلابةِ جبلِ جحافَ الأشمّ، ذلك الجبلُ الذي شهدَ طفولتَك ونشأتَك في مديرية جحاف – قرية المداد.
إنَّ رحيلَكَ أيها القائدُ العسكريُّ والسياسيُّ البارزُ، ليس مجرَّدَ فقدانِ شخص، بل هو غيابُ مُناضلٍ استثنائيٍّ، وغيابُ مدرسةٍ وطنيةٍ بكاملها.
رحلتَ إلى الرفيقِ الأعلى بعد صراعٍ مريرٍ مع المرض، تاركًا وراءَك إرثًا نضاليًا شاهدًا على حياةٍ حافلةٍ بالعطاء، وسفرًا زاخرًا بالعطاءِ لم يُغلقْ بغيابك.
لقد كانت خسارتُك فادحةً لوطننا الجنوبيّ، حيث أفرغتَ زهرةَ عمركَ في خدمةِ شعبِك، وأسهمتَ بدورٍ محوريٍّ في تأسيسِ وبناءِ الجيشِ الجنوبيِّ وتطويرِ مؤسساته.
جمعتَ بين العلمِ والخبرة، بين السلاحِ والفكر، فكنتَ القائدَ العسكريَّ الحكيم، والناشطَ السياسيَّ الفذ، والمرجعيةَ للمقاومةِ الجنوبية، وأحدَ أبرزِ مؤسسيِّ الحراكِ الجنوبيِّ السلمي. وحتى من قاعةِ المحكمة، وقفتَ مدافعًا شرسًا عن قضيتك، فخلَّدتَ اسمَك في سجلِّ الأوفياءَ لقضايا أمّتهم.
كنتَ من طلائعِ ثورةِ الرابعَ عشرَ من أكتوبر، وساهمتَ بكلِّ اقتدارٍ في وضعِ اللبناتِ الأولى لدولتِك الناشئة، ودفعتَ الغاليَ والنفيسَ في سبيلِ قضاياها العادلة. لم تنكسرْ أمامَ المحن، بل سطَّرْتَ بمسيرتك صفحاتٍ مشرقةً تفيضُ عطاءً وتفانيًا.
تنقَّلْتَ بين المواقعِ والمسؤوليات: قائدًا عسكريًا، ثم مأمورًا لمديرية الضالع، ثم عضوًا في البرلمان، لكنَّ المناضلَ الوطنيَّ فيك بقيَ هو هو، شامخًا كجذعِ النخلة، ثابتًا على مبادئك كالجبالِ الراسيات.
لم ترهبكَ السجونُ ولا المكايداتِ السياسية، وظللتَ رمزًا للصمود. ونذكرُ دائمًا تلك الصورةَ الباسلةَ حينما كنتَ تُنقلُ من السجنِ إلى المحكمةِ تحت حراسةٍ مشددة، فكان وقوفُك المهيبُ تحدِّيًا صامتًا، وكلماتُك دفاعًا ليس عن نفسك، بل عن قضيةِ جنوبٍ بأكمله. أرادوكَ جريحًا منكسرًا، فخرجتَ من محنتكَ أكثرَ صلابة، رافعَ الرأسِ، حاملَ رايةِ الكرامة.
لقد كنتَ يا أبا الائتلافِ من أولئك الرجالِ النادرين الذين توشَّحوا بمبادئِ الحريةِ والكرامة، وأعلَوا من قيمِ الخيرِ والتسامح. وكم يحتاجُ الوطنُ اليومَ إلى حكمتِك وخبراتِك.
ما زلتُ أذكرُ بكلِّ اعتزازٍ زيارتنا إليك برفقةِ الشهيدِ المناضلِ عمر علي حسن لميح، يومَ أنْ ألقيتَ علينا كلماتٍ خالدة، وقلتَ للشهيد لميحَ نصيحةَ الخبيرِ البصير:
“اهتموا بالشباب، فهم أساسُ بناءِ الوطن، وخاصةً المتعلمينَ منهم، فهم عمادُ المستقبل.” لقد لخَّصْتَ في هذه الكلماتِ حكمةَ عمرٍ كامل، وستظلُّ راسخةً في ضميرِ الأجيال.
ولم يكن مشهدُ جنازتكَ المهيبةُ إلا تتويجًا لمسيرةِ عطاءٍ نادرٍ، وشهادةً من الشعبِ على مكانتكَ في قلوبهم. شيّعك الآلافُ إلى مثواك الأخير في أحضانِ جبلِ جحافَ الأشم،
وامتلأتِ القرى والمدنُ بوفودِ المشيعينَ الذين قدموا من كلِّ حدبٍ ليودعوك.
وأقيمَ لك عزاءٌ عامٌ في محافظةِ الضالع، وآخرُ في العاصمةِ عدن، بحضورٍ جمعَ كلَّ ألوانِ الطيفِ السياسيِّ، شاهدًا على ما كنتَ تمثلهُ من معنىً جامعٍ للقلوب، موحِّدٍ للصفوف، في حياتك كما في مماتك، فاستحققتَ بجدارةٍ لقبَ “أبا الائتلاف”.
قال تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
رحمَكَ اللهُ أيها الفقيدُ الغالي، اللواء محمد ناجي سعيد، رحمةً واسعة، وأسكنكَ فسيحَ جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.
عزاؤنا واحدٌ لكلِّ أبناءِ الجنوبِ الحبيب، ولأسرة الفقيدِ الكريمة، ولكلِّ محبيه ورفاق دربه.
وداعًا أيها الجبلُ الشامخ..
رُحتَ جسدًا، لكنّك بقيتَ نهجًا يُقتفى، وذكرى لا تموت، ومجدًا خالدًا في ذاكرةِ الوطن.
وإنا لله وإنا إليه راجعون، ولا حول ولا قوة إلا بالله ..
زر الذهاب إلى الأعلى