صوت الضالع/تحقيق/وكالات+فريق التحرير
في الأشهر الأخيرة، غادر مئات الغزيين قطاع غزة ضمن ما يُعرف بـ”الهجرة الطوعية”، في رحلات جوية غير معلنة وبدون معلومات دقيقة عن الوجهات أو الجهات المنظمة. وأفادت صحيفة “هآرتس” بأن عدة طائرات مستأجرة انطلقت من مطار “رامون” قرب إيلات، حاملة مجموعات من عشرات المدنيين إلى دول مختلفة. آخر مجموعة، ضمت 153 شخصًا، سافرت أولًا إلى نيروبي، ثم إلى جوهانسبورغ، دون معرفة الركاب لوجهتهم النهائية.
> “لم يُقدَّم لنا الماء أو الطعام أثناء الانتظار، وكانت الظروف داخل الطائرة صعبة للغاية.” — أحد الركاب الغزيين
الجهة المنظمة وشبكة الاتصالات المالية
العمليات أُديرت من خلال موقع إلكتروني لجمعية غير مسجلة تُعرّف نفسها بأنها منظمة إنسانية تدعم المجتمعات المسلمة في مناطق النزاع. وأظهرت التحقيقات أن تومِر جانار ليند، الإسرائيلية-الإستونية المزدوجة الجنسية، تقف خلف الجمعية، بينما تولّت شركة “تالنت غلوبس” في إستونيا تنظيم الرحلات.
يُطلب من الراغبين في المغادرة تحويل مبالغ تتراوح بين 1500 و2700 دولار قبل الانضمام إلى مجموعات على تطبيق “واتساب”، حيث تُرسل التحديثات قبل الرحلة. التواصل يتم فقط عبر رقم هاتف يبدو إسرائيليًا، فيما تظهر الوثائق عناوين وأرقام هواتف غير صحيحة للشركة، رغم تقديمها خدمات استشارية وتوظيفية.
تدخل السلطات الإسرائيلية وتنسيق الرحلات
أشرفت مديرية “الهجرة الطوعية” في وزارة الأمن الإسرائيلية على التنسيق مع منسق أعمال الحكومة لضمان مغادرة السكان بالتعاون مع الدول المستقبِلة، خصوصًا المواطنين مزدوجي الجنسية أو الطلاب الحاصلين على تأشيرات دراسية.
> “في حالات نادرة، يُنسَّق من خلال منظمات خارجية، ولكن حتى في هذه الحالات، تتأكد إسرائيل من وجود دولة مستعدة لاستقبال كل فرد من سكان غزة.” — جيش الاحتلال الإسرائيلي
يظهر هذا الدور أن السلطات الإسرائيلية كانت على علم بالعمليات، لكنها اقتصرت على التأكد من قبول الدول للمغادرين، دون التدخل في تنظيم الرحلات أو جودة الخدمات.
الشهادات الميدانية والمعاناة الإنسانية
بدأت الرحلات الأولى في 27 مايو، عندما غادر 57 غزيًا القطاع عبر معبر “كرم أبو سالم”، قبل أن يستقلوا طائرة مستأجرة من شركة رومانية إلى بودابست، ومن هناك واصلوا الرحلة إلى إندونيسيا وماليزيا.
أما الرحلة الثانية، التي ضمت 150 شخصًا، فقد غادرت في 17 أكتوبر، حيث تم نقلهم أولًا إلى نيروبي، ثم إلى جوهانسبورغ. بعض الركاب لم يحصلوا على وثائق السفر اللازمة، واضطروا للانتظار لساعات طويلة قبل السماح لهم بدخول الدول المستقبلة.
> “لا تقعوا في فخاخ تجّار الدم ووكلاء الترحيل.” — وزارة الخارجية الفلسطينية
تشير هذه الشهادات إلى المخاطر التي واجهها المدنيون، بما في ذلك نقص الطعام والماء وعدم وضوح الوجهة واعتمادهم على جهات تنظيمية غير موثوقة.
التحديات القانونية والتنظيمية
بعد قرار الكابينيت الإسرائيلي في مارس بشأن خطة تهجير سكان غزة، فرضت قيود على من يمكنه المغادرة، خصوصًا من رفض الشاباك خروجهم لأسباب أمنية. كما كشفت الوثائق عن تفاوت مستوى التنسيق بين السلطات الإسرائيلية والجهات الخارجية، ما يثير تساؤلات حول المسؤولية القانونية والأخلاقية للجمعيات المنظمة.
ردود الفعل الرسمية والتحذيرات الفلسطينية
أكدت السفارة الفلسطينية في جنوب إفريقيا أن العملية أدارها تنظيم غير مسجل واستغلت الأزمة الإنسانية لتحقيق أهداف مالية وتنظيمية، محذرة السكان من الوقوع في فخ الجمعيات الوهمية.
وشددت وزارة الخارجية الفلسطينية على ضرورة توخي الحذر من “تجار الدم ووكلاء الترحيل”، مشيرة إلى أن بعض الرحلات تمت دون أي ضمانات أو إشراف مسؤول.
الخاتمة
يوضح التحقيق أن تهجير الغزيين تم عبر جمعيات وشركات غير مسجلة، استغلت الأزمة الإنسانية لتحقيق مكاسب مالية وتنظيمية. ورغم وصول بعض المجموعات بأمان، تكشف الوثائق والشهادات عن قصور كبير في التنظيم والمساءلة، مما يطرح أسئلة مهمة حول حماية المدنيين وحقوقهم أثناء عمليات الهجرة الطوعية.
زر الذهاب إلى الأعلى