مقالات وتحليلات

الشرعية المأزومة وحدود التفويض: قراءة قانونية في دعوة التدخل وتداعياتها على السيادة والحقوق

الشرعية المأزومة وحدود التفويض: قراءة قانونية في دعوة التدخل وتداعياتها على السيادة والحقوق

كتب :  فضل صالح

في سياق النزاعات الداخلية المعقّدة، تتآكل الحدود بين ما هو سياسي وما هو قانوني، غير أن هذا التداخل لا يلغي القواعد الحاكمة للشرعية ولا يعلّق مبادئ السيادة والمسؤولية الدولية. والحالة اليمنية، منذ نقل السلطة إلى مجلس القيادة الرئاسي، تمثل نموذجًا صارخًا لسلطة استثنائية نشأت خارج الإطار الدستوري التقليدي، لكنها مطالَبة – رغم ذلك – بالالتزام بالحد الأدنى من القواعد القانونية الوطنية والدولية. ومن هنا تبرز خطورة أي تصرف فردي يمس جوهر السيادة، وعلى رأسه طلب التدخل الخارجي، لا سيما إذا استند إلى ادعاءات غير مثبتة أو مفبركة.

*أولًا: موقف رئيس مجلس القيادة الرئاسي (رشاد العليمي) في ميزان القانون*

من حيث الأصل، لا يُعدّ رئيس مجلس القيادة الرئاسي رئيسًا منتخبًا وفق الدستور اليمني النافذ، بل هو رئيس هيئة جماعية انتقلت إليها صلاحيات الرئيس السابق بقرار سياسي استثنائي. هذا التوصيف ليس تفصيلاً شكليًا، بل هو جوهر المسألة؛ إذ إن الصلاحيات السيادية الكبرى – وفي مقدمتها طلب التدخل الأجنبي أو الاستقواء بقوة خارجية – لا تُمارس فرديًا في النظم الجماعية، إلا بتفويض صريح وواضح من الهيئة ككل.

وعليه، فإن إقدام رئيس المجلس، منفردًا، على توجيه دعوة لدولة أخرى للتدخل، يُعد:

١- افتئاتًا على مبدأ القيادة الجماعية التي قام عليها المجلس.

٢- مخالفة للمبادئ العامة للقانون الدستوري المقارن، التي تشترط التشاركية أو الإجماع في القرارات المصيرية.

٣- تصرفًا يفتقر إلى السند القانوني، حتى في ظل الحرب والطوارئ، لأن الضرورة لا تنشئ سلطة مطلقة.

وتزداد خطورة الموقف عندما تُدعّم هذه الدعوة بادعاءات عن “انتهاكات بحق المواطنين” دون تقديم أدلة موثقة أو تقارير صادرة عن جهات محايدة معترف بها. ففي هذه الحالة لا نكون أمام خطأ سياسي فحسب، بل أمام سوء استخدام لمفاهيم حقوق الإنسان بوصفها أداة تبرير لتدخل خارجي، وهو ما يجرّده من أي مشروعية قانونية أو أخلاقية.

*ثانيًا: السعودية بين طلب المساعدة وحدود المشروعية الدولية*

من زاوية القانون الدولي، لا تُسأل الدولة المتلقية لطلب التدخل بمعزل عن طبيعة الطلب ذاته. فقبول أو التلويح بالاستجابة لدعوة صادرة عن سلطة منقوصة التفويض، أو عن شخص لا يمثل الإرادة الجماعية لمؤسسات الدولة، يضع الدولة المتدخلة في منطقة قانونية رمادية.

فالميثاق الأممي، ولا سيما المادة (2/4)، لا يحظر فقط استخدام القوة، بل يحظر أيضًا التهديد باستخدامها. وبالتالي فإن إصدار بيانات أو تلويحات عسكرية موجهة إلى “أصحاب الأرض” أو قوى محلية، استنادًا إلى دعوة فردية مثار جدل، يمكن أن يُفسَّر دوليًا بوصفه:

* تهديدًا للسلام الإقليمي.

* تجاوزًا لمبدأ عدم التدخل.

* مخالفة لقاعدة احترام الإرادة الشعبية والفاعلية على الأرض.

ولا يغير من ذلك توصيف التدخل بأنه “استجابة لطلب شرعي”، ما دام هذا الطلب نفسه محل نزاع قانوني جدي، ولم يصدر عن مؤسسة متوافق عليها أو مفوضة بوضوح.

*ثالثًا: المجلس الانتقالي الجنوبي وحق الدفاع القانوني عن الأرض والسكان*

في المقابل، لا يمكن إقصاء المجلس الانتقالي الجنوبي من المشهد القانوني بحجة عدم اكتمال الاعتراف الدولي. فالقانون الدولي، في ممارساته الواقعية، لا يتجاهل الكيانات التي تمارس سيطرة فعلية على الأرض وتتحمل مسؤولية إدارة شؤون السكان وحمايتهم. وهذه “الفاعلية” تمنحه أهلية التحرك السياسي والقانوني للدفاع عن حقوق من يمثلهم.

وعندما يتعرض المجلس، أو المناطق الخاضعة لسيطرته، لتهديدات خارجية مبنية على ادعاءات غير مثبتة، فإن من حقه – بل من واجبه – أن:

* يرفض علنًا أي تدخل مفروض بالقوة.

* يطالب بتحقيق دولي محايد في أي مزاعم انتهاكات.

 

* يلجأ إلى الأمم المتحدة وأجهزتها (مجلس الأمن، الأمين العام، مجلس حقوق الإنسان) لتسجيل موقفه قانونيًا، حمايةً للسكان، لا تصعيدًا للنزاع.

هذا المسار، القائم على التدويل القانوني لا العسكري، هو وحده الكفيل بتحصين الموقف، ونزع الذرائع، وإعادة النزاع إلى إطاره الصحيح.

إن جوهر الأزمة لا يكمن في الخلاف السياسي بحد ذاته، بل في تسييل مفهوم الشرعية واستخدامه لتبرير قرارات مصيرية تصدر دون تفويض، ثم تُدعم بادعاءات غير موثقة، فتتحول من أدوات حماية إلى وسائل تهديد. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح الاحتكام إلى القانون الدولي ومبادئ حقوق الإنسان ليس ترفًا نظريًا، بل ضرورة وجودية لحماية السيادة، وصون كرامة السكان، ومنع انزلاق النزاع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.

فالشرعية، مهما ضعفت، لا تُرمَّم بالاستقواء بالخارج، ولا تُحفظ بتزييف الوقائع، وإنما تُستعاد بالالتزام بالقانون، والصدق مع المجتمع الدولي، واحترام إرادة من يعيشون على الأرض ويدفعون ثمن القرارات.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى