صوت الضالع / عين الجنوب :
يُثار بين الحين والآخر سؤال يتجاوز الجدل السياسي إلى عمق الحسابات الإقليمية: لماذا يُنظر إلى قيام دولة جنوبية قوية على أنه مصدر قلق لدى بعض دول الجوار، رغم أن الوقائع على الأرض تقول العكس؟ في قراءة هادئة للمشهد، يتضح أن هذا “الخوف” لا يرتبط بتهديد حقيقي، بقدر ما يرتبط بتغيّر موازين اعتادت عليها أطراف إقليمية لسنوات طويلة.
وجود دولة جنوبية قوية يعني قبل كل شيء نهاية مرحلة الفراغ السياسي والأمني، وبداية مرحلة القرار السيادي المستقل. هذا التحول يضع حدًا للتعامل مع الجنوب كساحة مفتوحة تُدار من الخارج، أو كورقة ضغط تُستخدم عند الحاجة. بعض القوى الإقليمية اعتادت على جنوب هشّ، متنازع، بلا مركز قرار واضح، ولذلك فإن قيام دولة مستقرة ذات مؤسسات فاعلة يربك تلك الحسابات أكثر مما يهدد الأمن.
وفي العمق، تخشى بعض الأطراف من نجاح نموذج جديد في منطقة أنهكتها الصراعات. دولة جنوبية قادرة على فرض الأمن، وبناء شراكات متوازنة، وتحقيق حد أدنى من الاستقرار الاقتصادي، قد تتحول إلى مثال يُقارن به الآخرون، وهو ما لا يُرضي من يرى في الفوضى أداة نفوذ، وفي الأزمات وسيلة إدارة.
كما أن الموقع الجغرافي للجنوب يضيف بعدًا آخر للقلق المصطنع. فامتلاك دولة جنوبية قوية لقدرتها على تأمين سواحلها وموانئها وخطوط الملاحة الدولية في باب المندب وخليج عدن وبحر العرب، يحوّلها من هامش تابع إلى شريك إقليمي فاعل في أمن البحر والتجارة الدولية. هذا الدور لا يحمل تهديدًا بطبيعته، لكنه يُنهي منطق الوصاية ويستبدله بمنطق الشراكة الندية.
ومن زاوية اقتصادية وأمنية، فإن الدولة القوية تُنهي اقتصاد الفوضى الذي ازدهر في ظل الغياب المؤسسي. التهريب، والجماعات العابرة للحدود، وشبكات المصالح غير المشروعة لا تجد بيئة خصبة إلا في الدول الضعيفة. لذلك، فإن ضبط الحدود والسواحل وبناء أجهزة أمنية فاعلة يضر بهذه الشبكات أكثر مما يضر بدول الجوار.
اللافت أن الدولة الجنوبية، وفق معطيات الواقع، لا تحمل مشروع توسع ولا عقيدة عدوانية، ولا تسعى لفرض نفوذها على أحد. على العكس، حاجتها الطبيعية هي للاستقرار، وإعادة الإعمار، وبناء علاقات متوازنة تقوم على المصالح المشتركة والاحترام المتبادل. وهذا يجعلها عامل توازن إقليمي لا مصدر تهديد.
في الخلاصة، يتبين أن الخطر الحقيقي على دول الجوار لا يكمن في قيام دولة جنوبية قوية، بل في استمرار الفوضى والانقسام وغياب الدولة. أما الجنوب القوي، فهو ضمانة أمن، وجدار صدّ للفوضى، وفرصة لشراكات إقليمية أكثر استقرارًا. وما يُقدَّم على أنه “خوف” ليس إلا قلقًا من نهاية مرحلة قديمة وبداية واقع جديد لا يُدار إلا بالندية واحترام الإرادة.
زر الذهاب إلى الأعلى