كتب : يحيى أحمد
أهم وأخطر ما في خطاب العليمي يوم أمس 10 يناير يمكن اختزاله في هذه الفقرة:
(أعلن عن تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات تحالف دعم الشرعية التي ستتولى إعداد، وتجهيز، وقيادة جميع القوات والتشكيلات، للمرحلة القادمة في حال رفض المليشيات للحلول السلمية.)
في هذه الفقرة أعلن العليمي عن تسليم قيادة القوات اليمنية التابعة له والسلطة الشرعية إلى القيادة السعودية، ونستنتج من هذا التسليم جملة من المخاطر المستقبلية المحتملة نذكر منها ما يلي:
1- تمكين السعودية من تحقيق أهدافها ومشاريعها وخططها في تفكيك وحدة الوطن الجنوبي الجغرافية والاجتماعية باستخدام غطاء الشرعية ووسائل عسكرية وأمنية قسرية يمنية تتبع ما يسمى السلطة الشرعية، وتُستخدم فيها المليشيات والجماعات الإرهابية الإخوانية تحت عباءة القوات والتشكيلات العسكرية اليمنية، وتسوقها للرأي العام باعتبار ما تقوم به المملكة يأتي في سياق توجهات العليمي وحكومة الشرعية وسياستها وأهدافها.
2- إطلاق اليد السعودية لمواصلة استهداف المجلس الانتقالي والشعب الجنوبي الرافض للأطماع التوسعية السعودية في استخدام التشكيلات العسكرية اليمنية.. والهدف الأول في ذلك قيادة الانتقالي وما تبقى من القوات المسلحة والقيادات الاجتماعية والقبلية والقاعدة الاجتماعية وكل أشكال نضالها وفعالياتها السلمية وصولاً إلى دفن القضية الجنوبية أو إعادة استنساخها في حوار الرياض أو تأجيلها إلى أجل غير مسمى حتى يتم تفكيك البلد إلى كنتونات جغرافية واجتماعية وقبلية هشة ومتناثرة يسهل عليهم قضمها وابتلاعها بالتقسيط المريح والسيطرة على ثروات الجنوب وحرمان الشعب منها.
فساد وجرائم عشر سنوات في الهضبة وسيئون في نهب الثروات النفطية وتدمير البيئة وتلويث المياه الجوفية وغيرها من الجرائم التي كانت تُرتكب بصمت وبحماية ومشاركة سعودية بحق الوطن والأجيال، تم كشفها بدخول القوات الجنوبية هذه المنطقة وأظهرت الحقائق أمام الرأي العام. الكشف عن هذا الملف الخطير مثل أحد الأسباب الرئيسية التي أزعجت المملكة وأطلق يدها للقضاء على الوجود العسكري والأمني المباشر للانتقالي في حضرموت، بهدف دفن وإخفاء الحقائق عن الرأي العام وصولاً إلى محاولة تصفية المجلس الانتقالي من الخارطة السياسية والاجتماعية تحت شعار حماية الأمن القومي السعودي، في الوقت الذي يدرك فيه العالم أن الانتقالي بإمكانياته وموارده لا يشكل أي تهديد لدولة عظمى مثل السعودية بقدر ما كان وجوده تهديداً للأطماع غير المشروعة والعبث والنهب بثروات وموارد الشعب الجنوبي الذي يعاني من المجاعة.
في ردة الفعل والسلوك السعودي ضد المجلس الانتقالي وقواته المسلحة، تتجلى مصداقية تحليل ماركس لأسباب الحروب ودوافعها، وأوضح أن معرفة وتفسير أي حرب تقوم بها الدول الكبرى ضد الدول الضعيفة، أياً كانت شعاراتها أو مبرراتها، يبقى الاقتصاد هو السبب والجذر الحقيقي لهذه الحرب. باختصار ما حصل في حضرموت والمهرة تحت شعار ومبررات حماية الأمن القومي السعودي كانت الأسباب والمحركات الحقيقية لهذه الأحداث والحرب أطماع جيوسياسية واقتصادية.
3- تسليم السعودية مهمة إعداد وتجهيز وقيادة جميع القوات والتشكيلات العسكرية اليمنية ودعمها يعني باختصار تجريد هذه القوة من هويتها وواجباتها ورسالتها الوطنية وتحويلها إلى مليشيات ومرتزقة مسخرة في خدمة أجندات ومصالح وأهداف ومشاريع من يقوم بصناعتها وإعدادها وتربيتها وتدريبها وتجهيزها. والأخطر هو إعادة صياغة ليس فقط الوظائف والمهام والرسالة التي تؤديها هذه القوات، ولكن أيضاً ـ وهذا هو الأخطر ـ إعادة تشكيل وعي وثقافة وأخلاقيات وعقيدة منتسبي هذه القوات وغسل أدمغتها وتحويلها إلى آلة للقتل والدمار يستخدمها الأجنبي ضد وطنها وشعبها، وسيبقى هذا الأثر طويل الأمد ولا يمكن تجاوزه.
4- منذ بداية عاصفة الحزم وقبل أن تتكشف أهدافها الحقيقية غير المعلنة والخاصة بدول التحالف، تم استخدام المقاومة وبقايا الجيش الوطني الذي نظمته السلطة الشرعية، ولكنه كان منقسماً ومتعدد الولاءات.. جزء تابع للرئيس الشرعي عبد ربه منصور، وجزء آخر تابع للعجوز الإرهابي علي محسن وتيار الإخوان، والجزء الثالث كان ولاؤه لعفاش والحوثيين،ورغم هذا الانقسام كان يتميز بعقيدته العسكرية الوطنية، وهذا لم يرضِ القيادة السعودية ولم تجد فيه وسيلة في خدمة أجنداتها السياسية وأطماعها التوسعية، وربما وجدت فيه حائط صد أمام مشاريعها، ولم تفلح معه المحاولات المتكررة لتغيير وعملت على تهجين هذا الجيش من خلال حملة تجنيد إخوانية واسعة اعتمدت فيها على قيادة الإخوان من مشايخ القبائل لاستقطاب أبناء القبائل وإعادة استخدامهم داخل الجيش وتحت عباءة الشرعية لخدمة نفوذ الإخوان ومصالح السعودية، إلا أن هذه المهمة فشلت وخسر هذا الجيش الهجين كل معاركه سواء ضد الحوثيين أو ضد المجلس الانتقالي.
5- هذا الفشل المتكرر دفع السعودية إلى تأسيس كيان عسكري يمني خاص بها اعتمدت فيه على الشباب من مخرجات طلاب المعاهد الدينية الوهابية القاعدية ومن أبطال المقاومة الوطنية من التيار السلفي الذين خاضوا المعارك ضد القوات الحوثية وأثبتوا جدارتهم. بعض هذه التشكيلات التابعة لما يسمى قوات درع الوطن وتشكيل آخر اسمه قوات الطوارئ تم إعدادها وتربيتها وغسل أدمغتها داخل ثكنات الجيش السعودي على يد خبراء وعسكريين سعوديين وأجانب، وهذه القوة هي الأذرع الأساسية والرئيسية التي تعتمد عليها المملكة اليوم ليس في الحرب ضد الحوثيين، وإنما في تنفيذ أجنداتهاولا سيما بعد أن رفضت التشكيلات العسكرية الجنوبية في درع الوطن تنفيذ الأوامر والمهام المسندة إليها من قبل العليمي والقيادة السعودية في مواجهة قوات الانتقالي في حضرموت، وأُسندت المهمة إلى تشكيلات قوات الطوارئ بعد أن نُقلت من داخل المملكة إلى حضرموت. وحين خسرت هذه القوات المواجهة الميدانية المباشرة مع قوات المجلس الانتقالي في الخشعة، تدخل الطيران السعودي بشقيه الطيران المسير والطيران النفاث الحديث، والذي استخدم بكثافة وبطريقة غير معهودة لإبادة وتدمير القوات المسلحة الجنوبية في معركة غير متكافئة بكل المعايير.
الشيء الغريب والمخزي في الوقت ذاته أن المملكة التي زجت بقواتها في حضرموت تم تغليفها بشعارات وملصقات درع الوطن الجنوبية حتى يكون لها قبول عند أبناء حضرموت، لكن عمليات النهب المنظم التي قامت بها هذه القوات في معسكرات ومؤسسات الدولة وتأمين وحماية دخول قبائل النهب والسلب القادمة من مأرب والجوف، وكذلك الممارسات القمعية المنفلتة والمجردة من الأخلاق والقيم الوطنية بحق أبناء حضرموت، أزاحت الستار وكشفت القناع عن الوجه الحقيقي لهذه القوات التي حاولت إخفاءه خلف شعار قوات درع الوطن الجنوبية.
6- حين دعا أبناء حضرموت إلى مليونية لدعم ومناصرة المجلس الانتقالي في المكلا، عقدت اللجنة الأمنية في حضرموت اجتماعها برئاسة ضابط سعودي أعطى الأوامر بنشر القوات الأمنية في المدينة وقمع أي تجمعات واستخدام الرصاص الحي ضد المتظاهرين، وتحولت الساحة العامة للاعتصام إلى ساحة حرب ومطاردة قبل أن يعلن العليمي في خطابه سيئ الذكر عن تسليم قيادة القوات العسكرية والأمنية اليمنية للسعودية ،أما في عدن وبقية المحافظات الجنوبية فلم تغادر سماءها الطيران السعودي المسير والنفاث بحجة البحث والمطاردة عن القائد عيدروس الزبيدي والقيادات العسكرية والسياسية للانتقالي.
المسيرة التي شهدتها العاصمة عدن يوم أمس وما يحصل في الرياض مع قيادات الانتقالي والمكونات الأخرى من تحضيرات سعودية لطبخات قادمة خاصة بالجنوب، وما أعلنه العليمي في خطابه الأخير، هذه التجليات تمثل صورة مختزلة للمشهد العام في الجنوب الذي يقف اليوم على مفترق طرق ومنزلقات خطيرة تدفعه إليها السعودية، متجاهلة كلياً العواقب الوخيمة والكوارث المترتبة عنها، في الوقت الذي تواصل فيه الدبلوماسية والإعلام السعودي ممارسة خطاب التضليل والترويج بشعارات حرصها على خدمة القضية الجنوبية والشعب الجنوبي لتخدير الشعب وكسب تعاطفه وتوهيمه عن المشاريع والأهداف الحقيقية للسعودية التي تريد تحقيقها على حساب مصالح الشعب الجنوبي وحقوقه وثرواته وحاضره ومستقبله.
زر الذهاب إلى الأعلى