مقالات وتحليلات

التصالح والتسامح الجنوبي: سلاح الجنوب الأخلاقي في وجه الإكراه والوصاية

التصالح والتسامح الجنوبي: سلاح الجنوب الأخلاقي في وجه الإكراه والوصاية

كتب : أصيل هاشم 

في لحظة تاريخية فارقة، يعود الجنوب ليؤكد حقيقة لا تقبل المساومة: أن مشروعه الوطني لم يُبنَ على الكراهية ولا على الثأر، بل على وعي عميق بأن الشعوب التي لا تتصالح مع ذاتها تُهزم من داخلها قبل أن يهزمها خصومها. التصالح والتسامح الجنوبي لم يكن حدثًا عابرًا ولا طقسًا احتفاليًا، بل كان انقلابًا أخلاقيًا وسياسيًا على منطق الصراع العبثي، وتأسيسًا لمرحلة جديدة عنوانها الإنسان قبل السلطة، والوطن قبل الحسابات الضيقة.

اليوم، ومع تصاعد الضغوط ومحاولات الإكراه وفرض الوصاية، يتضح أن ما يزعج خصوم الجنوب ليس سلاحه ولا حراكه السياسي، بل وحدته الداخلية. جنوب متصالح مع نفسه هو كابوس لكل من راهن على تفكيكه من الداخل. لذلك تُستهدف هذه القيمة تحديدًا، ويُحاول تشويهها أو تفريغها من مضمونها، أو تحويلها إلى مناسبة بلا روح، لأنهم يدركون أن التصالح هو العمود الفقري للصمود الجنوبي.

إن استمرار احتجاز الوفد الجنوبي في الرياض ليس تفصيلًا عابرًا، بل رسالة ضغط فجة تُدار بعقلية القوة لا بعقلية الشراكة. وهذا السلوك لا يصنع شرعية، ولا يبني استقرارًا، ولا يفرض حلًا دائمًا. الإكراه لا يولد إلا الغضب، والضغط لا ينتج إلا الرفض. أما الاستقرار الحقيقي فلا يُبنى إلا على الإرادة الحرة، والاعتراف بحق الشعوب في تقرير مصيرها دون ابتزاز أو وصاية.

لقد أثبت الجنوب، عبر تجربة التصالح والتسامح، أنه أكثر نضجًا من كل محاولات جره إلى الفوضى. اختار الحكمة بدل الانتقام، وأغلق أبواب حروب الماضي بقرار وطني شجاع، وقطع الطريق أمام من يتغذون على الجراح القديمة. هذه ليست مثالية سياسية، بل قراءة واقعية لتجارب الشعوب: الانقسام هو الطريق الأسرع لضياع الحقوق، والوحدة الواعية هي خط الدفاع الأول عن أي قضية عادلة.

قيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي لهذا المسار لم تكن إدارة أزمة، بل كانت رؤية استراتيجية أدركت أن رأس المال الحقيقي لأي مشروع تحرري هو تماسك الجبهة الداخلية. فالشعب المتصالح مع ذاته لا يُكسر، ولا يُخضع، ولا يُفرض عليه مسار ينتقص من إرادته. وهذه ليست شعارات، بل حقائق فرضتها الجغرافيا، وكرّستها التجربة، وأكدها وعي الشارع الجنوبي.

التصالح والتسامح الجنوبي هو رسالة واضحة للعالم: الجنوب لا يبحث عن صراع، لكنه لن يقبل بالإملاءات. لا يرفع راية الكراهية، لكنه لن يتنازل عن حقه. لا يعود إلى صراعات الماضي، ولا يسمح بإعادة إنتاجها بأدوات جديدة. من يراهن على شق الصف الجنوبي خاسر، ومن يحاول إدارة الجنوب من خارج إرادة شعبه واهم.

إن حماية التصالح والتسامح ليست مسؤولية رمزية، بل واجب وطني يومي، سياسيًا وإعلاميًا ومجتمعيًا. لأنها جوهر المشروع الجنوبي، وسياجه الأخلاقي، وسلاحه الأقوى في مواجهة كل محاولات التفكيك والضغط. الجنوب اليوم أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: وحدة الصف خط أحمر، والإرادة الجنوبية لا تُختطف، والمستقبل لا يُبنى إلا بأيدي أبنائه.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى