كتب / ذياب الحسيني
في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بجنوب الجزيرة العربية، تتقاطع المصالح وتتشابك الأجندات، وتُعاد صياغة الخرائط وفقًا لموازين القوى لا لمبادئ الشعوب. وفي قلب هذا المشهد المعقد، تبرز حضرموت كجوهرة جغرافية واستراتيجية، تتنازعها الأطماع وتتنافس عليها المشاريع، بين من يسعى لاستعادتها إلى حضن الدولة الجنوبية، ومن يرى فيها كنزًا استراتيجيًا لا يُفرّط فيه.
المملكة العربية السعودية، الجارة الكبرى، التي لطالما تغنّت بالأخوّة والدعم، لم تعد تُخفي طموحاتها في الجنوب، لا سيما في محافظة حضرموت الغنية بالنفط والمعادن والموانئ. فالمملكة ليست هدفها الحفاظ على وحدة اليمن عبر أجندتها السياسية، تتقدم مصالحها الاقتصادية والأمنية لتحتل الصدارة، في مشهد يُظهر بوضوح أن ما يهم الرياض ليس وحدة الشمال والجنوب، بل ضمان نفوذها في المناطق الغنية بالثروات، وتأمين عمقها الجنوبي الحيوي.
فهل هي محض صدفة أن تتكثف التحركات السعودية في حضرموت تحديدًا؟ أم أن الأمر يتجاوز حدود “الدعم” إلى مشروع استراتيجي مدروس، يهدف إلى إعادة تشكيل خارطة النفوذ في الجنوب بما يخدم مصالح المملكة، حتى وإن تعارض ذلك مع تطلعات شعب الجنوب في استعادة دولته وهويته؟
إن مشروع الاستقلال الجنوبي لم يكن يومًا نزوة عابرة أو ردة فعل آنية، بل هو امتداد لتاريخ نضالي طويل، تشكّل في رحم المعاناة وتبلور في وعي جمعي لا يقبل التبعية ولا يرضى بالوصاية. غير أن هذا المشروع يصطدم اليوم بجدار المصالح الإقليمية، التي ترى في الجنوب العربي ساحة نفوذ لا بد من إحكام السيطرة عليها، ولو على حساب إرادة أبنائه.
حضرموت، بما تمتلكه من ثروات طبيعية وموقع استراتيجي فريد، تحوّلت إلى محور صراع غير معلن، تتداخل فيه الحسابات الاقتصادية مع الهواجس الأمنية، وتُستثمر فيه أدوات ناعمة وخشنة على حد سواء. فهل باتت المحافظات الجنوبية الغنية بالثروات رهينة لمعادلات إقليمية لا تعترف إلا بمنطق القوة والمصالح؟ وهل يمكن لمشروع الاستقلال أن يصمد أمام هذا الطوفان من التدخلات؟
إن اللحظة الراهنة تتطلب من أبناء الجنوب، قيادةً وشعبًا، وعيًا استثنائيًا بحجم التحديات، وإدراكًا عميقًا لطبيعة الصراع، بعيدًا عن الشعارات الرنانة والمواقف الانفعالية. فالمعركة لم تعد فقط مع خصوم الداخل، بل مع أطراف خارجية تتقن اللعب على التناقضات، وتُجيد توظيف الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية لتحقيق أهدافها.
في النهاية، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنتصر إرادة الشعوب في تقرير مصيرها، أم أن منطق المصالح الكبرى سيعيد إنتاج الوصاية بأقنعة جديدة؟ وهل ستبقى حضرموت مجرد ورقة تفاوض في بازار السياسة الإقليمية، أم أنها ستعود لتكون قلب الجنوب النابض وركيزة مشروعه الوطني المستقل؟
الزمن كفيل بالإجابة، لكن التاريخ لا يرحم المتخاذلين.
زر الذهاب إلى الأعلى