تقـــارير

قسمة مختلّة وعدالة غائبة: حين يُحاصَر الجنوبي في لقمة عيشه وتُفتح خزائن الجنوب لإعاشات الدولار

قسمة مختلّة وعدالة غائبة: حين يُحاصَر الجنوبي في لقمة عيشه وتُفتح خزائن الجنوب لإعاشات الدولار

صوت الضالع / عين الجنوب:

قسمة غير عادلة، حين يُحاصَر الجنوبي في لقمة عيشه، وتُفتح للشمال خزائن الجنوب بإعاشات دولارية من قوت فقراء الجنوب وعرقهم.

في مشهدٍ يختصر عمق الاختلالات السياسية والاقتصادية، تبدو الصورة اليوم أكثر قسوة ووضوحًا من أي وقتٍ مضى. فبينما تركت قوى وشخصيات أرضها وأموالها في الشمال، وجاءت لتقاسم أهل الجنوب أرضهم ومواردهم، تتدفق في المقابل أموال الإعاشات من ثروات الجنوب بالعملات الصعبة، وتُصرف ببذخٍ واستعراض، في وقتٍ يغرق فيه المواطن الجنوبي في فقرٍ مدقع، بلا راتبٍ منتظم، ولا كساء، ولا دواء.

هذه المفارقة الصادمة لا يمكن تفسيرها بمنطق الدولة أو العدالة. فشعب الجنوب، الذي تحمّل كلفة الحرب وتداعياتها، يجد نفسه اليوم خارج حسابات الأولويات، بينما تُدار الموارد وكأنها غنائم تُوزَّع على حساب الجوعى. آلاف الأسر الجنوبية تعيش تحت خط الفقر، تنتظر راتبًا لا يأتي، وتقاوم المرض بلا علاج، وتبحث عن كساء لأطفالها في ظل ارتفاع الأسعار وانهيار القدرة الشرائية. وفي الوقت ذاته، تُفتح أبواب الصرف السخي لإعاشات بالدولار، تُنفق من عرق الإنسان الجنوبي وكدّه، وعلى حساب جوعه ومرضه وقوت أولاده، دون أي اعتبار لحال السكان الأصليين أو لعدالة التوزيع.

صحيح أن المشهد في الشمال لا يقل مأساوية؛ حصار على الرغيف، وتجويع ممنهج، ومرتبات محجوبة منذ سنوات عن البسطاء من أهل الشمال، بينما النخب الشمالية في الجنوب ترفل في الديباج والحرير، وترتفع أرصدتها في بنوك أوروبا من ثروات الشعب الجنوبي الجائع. ورغم هذا الثراء، لم يزدهم ذلك إلا تقاعسًا عن تحرير أرضهم، حتى لا تنقطع عنهم هذه الأموال، في غيابٍ تام لأي غيرة عمّا يجري في الشمال من انتهاكات. فالجنوب بات ساحة مفتوحة لهم للنهب والسلب، ما يدفع بالمواطن الجنوبي إلى حافة الانهيار.

صحيح أن بسطاء الشمال يعيشون واقعًا مريرًا، لكن المأساة تتضاعف حين تتحول معاناة الشمال إلى ذريعة لمزيد من الاستنزاف في الجنوب، لا إلى سياسة إنقاذ شاملة تُنهي الظلم في الجهتين. فالنتيجة واحدة: غياب العدالة، وانعدام الشفافية، وتعميق الفجوة بين من يملك القرار ومن يدفع الثمن.

إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بقوة: أي قسمة هذه؟ وأي عدالة تُدار بها شؤون الناس؟ كيف يُطلب من شعبٍ أن يتحمّل أعباء غيره، بينما يُترك بلا حماية اجتماعية ولا حدٍّ أدنى من الكرامة المعيشية؟ وكيف يُبرَّر إنفاق الإعاشات بالدولار في بيئة يفتك فيها الفقر بأهلها، وتغيب فيها المرتبات والخدمات الأساسية؟

ما يجري ليس مجرد خللٍ إداري، بل أزمة أخلاقية وسياسية عميقة، تعكس غياب مشروعٍ عادل يضع الإنسان في صدارة الاهتمام. فالاستقرار لا يُشترى بالبذخ، ولا تُبنى الثقة على حساب الجوع، ولا يمكن لأي سلطة أن تطلب الولاء وهي تعجز عن توفير الراتب والدواء والكساء. العدالة وحدها هي الضامن، والإنصاف وحده ما يمكن أن يوقف هذا النزيف المفتوح.

إن استمرار هذا الواقع ينذر بمزيد من الاحتقان، ويضع الجميع أمام مسؤولية تاريخية: إما تصحيح القسمة، وإعادة الاعتبار لحقوق الناس، وفي مقدمتهم شعب الجنوب الذي يعيش اليوم تحت خط الفقر، أو المضي في طريقٍ مسدود لا يُحصد في نهايته سوى الغضب وفقدان الثقة. فالعدالة ليست شعارًا، بل خبزٌ على الطاولة، وراتبٌ في موعده، ودواءٌ عند الحاجة. وبدون ذلك، تبقى كل القِسمات مختلّة، وكل الادعاءات جوفاء.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى