مقالات وتحليلات

الجنوب العربي 2026: لحظة التحول الكبرى وتجديد التفويض الشعبي نحو استعادة الدولة

الجنوب العربي 2026: لحظة التحول الكبرى وتجديد التفويض الشعبي نحو استعادة الدولة

كتب : علي احمد الجفري 

في مايو 2026، لم يكن الجنوب العربي أمام فعالية جماهيرية عابرة أو مشهد احتفالي تقليدي، بل أمام محطة تاريخية فارقة أعادت رسم المشهد السياسي في المنطقة، وفرضت معادلة جديدة على الإقليم والمجتمع الدولي معاً.

لقد بدا المشهد وكأن الجنوب يدخل مرحلة سياسية مختلفة بالكامل؛ مرحلة الانتقال من مربع الدفاع عن القضية إلى مربع تثبيت الدولة والهوية والسيادة.

في الذكرى التاسعة لتأسيس المجلس، تحولت ساحة العاصمة عدن إلى بحر بشري هادر، وامتدت موجات الزخم الشعبي من المكلا إلى سيئون، ومن الغيضة إلى حديبو، في لوحة وطنية نادرة أكدت أن الجنوب لم يعد مجرد قضية سياسية تبحث عن اعتراف، بل مشروع دولة تتجسد إرادته في الشارع والجغرافيا والوعي الجمعي.

لم تكن تلك الحشود مجرد أرقام أو مشاهد إعلامية، بل كانت إعلاناً شعبياً صريحاً بأن الجنوب العربي دخل مرحلة جديدة عنوانها:

توحيد الهوية، تثبيت الشرعية، واستعادة الدولة.

*أولاً: التحول التاريخي في الهوية الوطنية*

إن الانتقال إلى مسمى “المجلس الانتقالي للجنوب العربي” لم يكن تعديلاً شكلياً أو تغييراً إدارياً عابراً، بل خطوة سياسية واستراتيجية عميقة تعكس تحولاً جذرياً في تعريف المشروع الوطني الجنوبي.

فهذا التحول يمثل: تصحيحاً تاريخياً لمسار الهوية الوطنية الجنوبية، وإعادة الاعتبار للجذور السياسية والجغرافية والثقافية للجنوب العربي ككيان مستقل.

فك ارتباط نهائي مع مرحلة فرض الهوية اليمنية بعد عام 1967، والعودة إلى الهوية التاريخية الأصيلة للجنوب العربي.

نقل القضية الجنوبية من توصيف “أزمة داخلية” إلى إطار “استعادة دولة” ذات سيادة تاريخية وهوية واضحة المعالم.

تعزيز وحدة النسيج الوطني تحت راية جامعة تتجاوز الانقسامات المناطقية والفرعية، وتؤسس لمرحلة الاصطفاف الوطني الشامل.

*وللتوضيح اكثر تاريخيا* في الستينيات، كانت المنطقة مقسمة إدارياً تحت الإشراف البريطاني إلى كيانين؛ “اتحاد الجنوب العربي الذي ضم عدن ومعظم سلطنات الجنوب الغربي، و”محمية الجنوب العربي والتي كانت تُعرف أيضاً بمحمية عدن الشرقية وضمّت السلطنات الحضرمية والمهرية، لذا، تاريخياً، كان يُطلق مسمى “الجنوب العربي” على الكيانين الاتحاد والمحمية، كن حضرموت لم تكن جزءاً من “الاتحاد” السياسي بل جزءاً من “المحمية”.

ويهدف التوجه الحالي في مايو 2026 إلى استعادة مسمى “الجنوب العربي” كعنوان جامع وشامل لكل هذه المناطق (بما فيها حضرموت) لتصحيح ما وصفته بـ “الانحراف التاريخي” الذي حدث بعد عام 1967.

ويشير الى أن حضرموت، بساحلها وواديها، أصبحت اليوم ركيزة أساسية في مشروع “الجنوب العربي” الجديد وتعتبر المصادر أن التفويض الشعبي الذي مُنح في المكلا وسيئون هو تأكيد على أن حضرموت ترفض محاولات التفتيت وتتمسك بالهوية التاريخية الجنوبية التي يعاد إحياؤها الآن.

ويرى مراقبون أن تبني هذا المسمى هو “عودة للهوية التاريخية للجنوب العربي” وفك ارتباط نهائي مع الهوية التي فُرضت بعد 1967، وهذا يعني أن المشروع السياسي الحالي يتجاوز التقسيمات الإدارية القديمة (بين اتحاد ومحمية) ليصهر الجميع في هوية وطنية واحدة.

خلاصة التوضيح : التسمية التي استخدمتها (“محمية الجنوب العربي الشرقية”) هي المصطلح التاريخي الذي كان يميّز حضرموت والمهرة عن “اتحاد” عدن وجيرانها قبل 1967، أما الواقع، فهي تركز على أن حضرموت اليوم هي جزء أصيل من “الجنوب العربي” كمشروع وهوية ودولة منشودة، وهو ما أثبتته الحشود الشعبية في مايو 2026

لقد باتت الهوية الجنوبية اليوم أكثر وضوحاً وثباتاً من أي وقت مضى، وأصبحت عنواناً سياسياً وشعبياً لا يمكن تجاوزه أو الالتفاف عليه.

ثانياً: جغرافيا التفويض ورسالة الأرض

الرسالة الأهم في مشهد مايو 2026 لم تأتِ فقط من عدن، بل من اتساع خارطة التفويض الشعبي في مختلف المحافظات الجنوبية.

المكلا وسيؤن: سقوط رهانات التفكيك

شكلت الحشود الكبرى في المكلا وسيؤن بحضرموت صفعة سياسية قاسية لكل المشاريع التي حاولت تصوير الوادي كبيئة منفصلة عن المشروع الوطني الجنوبي.

لقد أثبت أبناء الوادي أن حضرموت، بساحلها وواديها، تقف في خندق واحد مع عدن وبقية محافظات الجنوب.

المهرة وسقطرى: العمق الاستراتيجي للهوية الجنوبية

أما الحضور الشعبي في المهرة وسقطرى، فقد حمل رسالة واضحة بأن هذه المحافظات ليست هامشاً جغرافياً، بل تمثل عمقاً استراتيجياً وسيادياً للمشروع الوطني الجنوبي، وأن أي محاولات للعب على وتر المناطقية أو تفكيك الهوية الجامعة قد سقطت أمام وعي الناس وإرادتهم.

إسقاط حملات التشكيك

لقد نجحت الجماهير الجنوبية في توجيه ضربة قوية لحملات التضليل والتشكيك التي استهدفت النيل من ثقة الشارع بقيادته السياسية، وأكدت بصورة حاسمة أن المجلس الانتقالي بات يمثل الإرادة الشعبية الجنوبية على الأرض، وأن أي محاولات للقفز فوق هذا الواقع أصبحت معزولة عن المزاج الشعبي العام.

ثالثاً: القيادة السياسية وتجديد العهد للرئيس الزبيدي

في خضم هذا التحول التاريخي، برز الالتفاف الشعبي الواسع حول الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزبيدي باعتباره تجديداً واضحاً للعهد والتفويض الوطني.

لقد أكدت الجماهير أن الشرعية الحقيقية في الجنوب لا تُصنع داخل الغرف المغلقة، ولا تُمنح عبر تفاهمات خارجية، بل تُولد من ميادين النضال، وتُصان بتضحيات الشهداء، وتتجدد يومياً عبر حضور الشعب في الساحات.

هذا الالتفاف الشعبي منح القيادة السياسية قوة تفاوضية غير مسبوقة، ورسخ حقيقة أن الرئيس الزبيدي لم يعد يتحدث باسم مكون سياسي فحسب، بل باسم مشروع وطني يحمل تطلعات شعب يسعى لاستعادة دولته كاملة السيادة.

رابعاً: الرسائل السياسية للإقليم والمجتمع الدولي

مشهد الجنوب في مايو 2026 حمل رسائل سياسية مباشرة وواضحة إلى الفاعلين الإقليميين والدوليين:

أن قضية الجنوب لم تعد ملفاً هامشياً قابلاً للتأجيل أو التهميش.

أن أي ترتيبات سياسية أو أمنية تخص المنطقة، خصوصاً ما يتعلق بأمن باب المندب وخليج عدن، لن تكون قابلة للاستقرار أو التنفيذ دون حضور وتمثيل الجنوب العربي.

أن المجلس الانتقالي أصبح رقماً سياسياً صعباً لا يمكن تجاوزه في أي معادلة مستقبلية.

لقد أثبت الجنوب أنه يمتلك اليوم:

الأرض، والهوية، والإرادة الشعبية، والقدرة على فرض حضوره السياسي إقليمياً ودولياً.

الخلاصة الاستراتيجية: الجنوب يدخل مرحلة السيادة

إن عام 2026 يمثل نقطة تحول استراتيجية في مسار القضية الجنوبية؛ عام الانتقال من خطاب المظلومية إلى خطاب القوة والسيادة والتمكين السياسي.

ومن خلال قراءة المشهد، يمكن استخلاص الحقائق التالية:

الجنوب نجح في تجاوز محاولات الاستنزاف السياسي والاقتصادي، وحافظ على تماسك جبهته الداخلية.

المشروع الوطني الجنوبي انتقل من مرحلة الدفاع عن الوجود إلى مرحلة تثبيت الهوية وفرض الحضور السياسي.

الإرادة الشعبية أكدت بصورة قاطعة أن هدف استعادة دولة الجنوب العربي كاملة السيادة على حدود ما قبل 21 مايو 1990 لا يزال ثابتاً وغير قابل للمساومة.

لقد أعلنت جماهير الجنوب، من عدن إلى حضرموت، ومن المهرة إلى سقطرى، أن زمن تهميش الإرادة الجنوبية قد انتهى، وأن معركة استعادة الدولة لم تعد مجرد حلم سياسي، بل مشروع شعب يزداد رسوخاً وثباتاً مع كل محطة وطنية.

وما شهدته ساحات الجنوب في مايو 2026 لم يكن مجرد احتشاد جماهيري، بل كان إعلاناً تاريخياً بأن الجنوب العربي يقترب أكثر من أي وقت مضى من لحظة استعادة دولته، وأن إرادة الشعوب حين تتوحد تصبح القوة التي لا يمكن كسرها أو تجاوزها.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى