بقلم: د. أمين العلياني
لقد سُئلنا دهرًا أن نختزل كينونتنا في لفظةٍ واحدة: أنا يمني. فآثرنا الصمت. وما كان صمتُنا جحودًا بأحد، ولا ترفُّعًا على أحد، بل كان إجلالًا للحقيقة التي تسري في عروقنا مسرى الدم. إننا لا نقوى على أن نتزيّا بثوبٍ لم يُفصَّل على قامة تاريخنا، ولا أن نأوي إلى دارٍ لم تَعُد تُذكر إلا بالمأساة التي عشنا بسببها كل هذا الدمار وتلك المعاناة المثقلة بالألم. لماذا لستُ يمنيًّا، بل جنوبيًّا عربيًّا؟ لأن ما بين اللفظين ليس تباينًا في مخارج الحروف، بل هو البون الشاسع بين منطق الدولة ومنطق القبيلة، بين سلطان القانون وسطوة السلاح، بين من يزرع للمستقبل ومن يقتات على رماد الماضي.
إن اليمن الذي لقَّنونا إياه في ذروة التوهج القومي العاطفي اسمٌ لجغرافيا تمتد من باب المندب إلى ذُرى صعدة، وهذا ما كان إلا شططًا جغرافيًّا جهويًّا، مثله مثل ما يقال: “الشام” كاسم لرقعةٍ تمتد من فيافي سيناء إلى سفوح الأناضول. ولكن هل صار الشامي لبنانيًّا لأن الأرض جمعتهما؟ وهل ذاب الأردني في الفلسطيني لأن الخارطة ضمّتهما؟ إن الجغرافيا وحدها لا تنشئ الدول ولا تجسّد الهوية الثقافية والوطنية؛ فالدولة تنشئها العهود التي تُخط بالمداد، والدماء التي تُبذل على مذبحها، والذاكرة المؤسسية التي تتوارثها الأجيال كابرًا عن كابر. ولقد كان الجنوب العربي دولةً قائمةً بذاتها، مكتملة الأركان: علمٌ يرفرف على سارية المجد، ودستور، وجيش نظامي عقيدته حماية الحدود لا جباية الأرض، وقضاء مدني يقف أمامه الشريف والوضيع على قدم المساواة. كانت لنا بعثات دبلوماسية تنطق باسم جنوبنا كدولة، ومقعد في هيئة الأمم نُسمع منه صوتنا، وتعليم مجاني فتح أبواب الجامعات لأمهاتنا وأخواتنا وبناتنا قبل آبائنا وإخواننا وأبنائنا. والجنوب بمحافظاته الست لم تكن تُساس من مركز بعيد، بل كانت قواعدَ وطنٍ شامخ. وحين ولجنا القدرَ القومي في وحدة عام 1990م، لم ندخلها كفرعٍ آبَ إلى أصل، بل كدولتين تعاقدتا على شراكة ندّية. فلما نُكث العهد، واجتيحت الشراكة في صيف عام 1994م، تهاوت الشرعية الأخلاقية والقانونية للوحدة معًا. وما قام على باطل، فهو باطل وإن تقادم عليه الزمن.
ولهذا، فإننا حين نقول: أنا جنوبي عربي، لا نزعم به أننا أطهر دمًا من أخٍ لنا في صنعاء، ومعاذ الله أن نقع في شرك العصبية. بل قولنا: أنني جنوبي عربي، يعني أننا مختلفون عنهما في جوهر تصورنا لمعنى الدولة ومعنى الحياة. إن مشروعنا التاريخي الذي ورثناه عن الذين مضوا هو أن تعلوَ كلمةُ المحكمة على كلمة الشيخ، وأن يُشاد صرحُ المدرسة قبل أن يُحفر خندق المترس، وأن تُرى المرأة في معملها ومصنعها لا في عزلتها فحسب، وأن يُضاء مسرح السينما قبل أن تُنصب سرادق العزاء. لقد بزغ فجر هذا المشروع من عدن في ستينات القرن الماضي، يوم كانت أخواتنا وبناتنا يُبتعثن إلى موسكو والقاهرة لدراسة الطب والهندسة، ويوم كان “تلفزيون عدن” يبث ضياءه قبل أن تعرف مدن عربية كثيرة سر الكهرباء. وهذا ليس نواحًا على طلل مضى، بل هو برهان مادي صارخ على أن مفردة الجنوبية تعني في معجمنا: الدولة المدنية. واليوم، ونحن نرى المملكة العربية السعودية تعيد تشكيل ذاتها برؤية 2030، ودولة الإمارات العربية المتحدة تشيد صروح مئويتها 2071، ندرك بيقين لا يخالطه شك أننا أقرب روحًا وفكرًا ومآلًا إلى منظومة الخليج العربي منا إلى صنعاء التي ابتلعت أرضنا وثرواتنا وقتلت ما يقارب نصف المليون بين شهيد ومنتحر ومشرد ومنهوب ومظلوم. نحن لسنا عبئًا يُطلب الخلاص منه، بل نحن الامتداد الطبيعي لمشروع الاعتدال والتنمية والاستقرار العربي الذي تقوده دول مجلس التعاون الخليجي في المنطقة.
فلنتحدث بوضوح لا مواربة فيه: إن كل كيان سياسي يحمل اسم “اليمن” في هذا الزمان، هو مشروع قابل للابتلاع من قبل التمدد الإيراني، عاجلًا كان أم آجلًا. إن الحوثي لا يبسط سلطانه على صنعاء وكل المحافظات اليمنية بقوة النار وحدها، بل بسلطان فكرة المركز المقدس والحق الإلهي في الحكم. ومن هنا، فإن فك ارتباطنا بمشروع اليمننة ليس انفصالًا عن جسد واحد، بل هو تطعيم ناجع ضد طاعون الفوضى والطائفية والتبعية ومشروع تصدير الحروب. إن الجنوب العربي درع لأمننا الوطني، وردء لأمن أشقائنا في الخليج العربي. إن الجنوب القوي، المدني، المستقر، هو الحليف الاستراتيجي الذي تحتاجه دول الخليج العربي والعرب كلهم على ثغر باب المندب. أما الجنوب الضعيف، التابع، الممزق، فهو الخاصرة الرخوة التي ستظل تنزف وتستنزف، وتهدد أمن الملاحة والتجارة والعالم أجمع. إن أمن الخليج يبتدئ من استقرار عدن وأخواتها من حواضر الجنوب العربي، وتلك حقيقة جيوسياسية راسخة لا تزعزعها العواطف الهوجاء.
لقد سئم شعبنا الجنوبي العربي. سئم أن تُراق دماء شبابه ورجاله في حروب تدار بالوكالة، لا ناقة لهم فيها ولا جمل. سئم شعبنا أن يبقى مصيره معلقًا بعاصمة لا تملك من أمرها إلا شارعين. سئم هذا الشعب الجنوبي العظيم أن يكون هويةَ دولته ورقةً مؤجلة على طاولة الآخرين. فشعب الجنوب العربي يريد هوية يستميت من أجلها في قاعات الجامعة، وعلى أرصفة الميناء، وفي مصانع الإنتاج، لا في خنادق الجبال الموحشة. يريد لعدن أن تستعيد مجدها الذي كانت عليه، سنغافورة العرب ومرفأ النور والتجارة، لا أن تبقى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. يريد الجنوب أن يطل على العالم ويقول بكبرياء: نحن أبناء الدولة الجنوبية العربية التي سبقت عصرها في تحرير القضاء وتمكين المرأة، وسنسبق عصرنا مرة أخرى في بناء الاقتصاد الرقمي والموانئ الذكية.
من أجل هذا كله.. فالجنوبي ليس يمنيًّا، بل جنوبي عربي. وهذه ليست تهمة يلتمس لها براءة، بل هي هوية يشهرها، وحقيقة يؤسس عليها مستقبل أبنائه وبناته وأجياله، وقطعًا للحروب ومشاريع الإرهاب الممول بفكرتي الولاية والخلافة.
فماذا يُطلب من الجنوبي اليوم؟ لا يُطلب منه أن يحمل البندقية، ولا أن يهتف في الساحات حتى يحترق نضاله. يُطلب من نفسه ما هو أخطر من الرصاص وأمضى من السيوف: أن يخلوَ إلى ذاته، ويسألها بصدق لا يخالطه رياء: هل تعريف هوية نظام دولتنا الذي ورثناه قسرًا عن تاريخنا يخدمنا اليوم، أم أنه الحبل الذي يخنقنا ببطء، وصار وبالًا علينا وعلى أمننا وأمن المنطقة العربية ومصالحها بأكملها؟
ومن هنا، فتعريف الهوية للجنوب بكونه عربيًّا ليس انفصالًا ولا استقلالًا فحسب، بل هو استعادة لهوية الدولة الجنوبية العربية كنظام أمني قومي مدني، يحمي المصالح السيادية ويكون ضامنًا قويًّا لمشاريع الخليج العربي ومصالحه والعرب كلهم، على أهم المنافذ والموانئ والسواحل الحساسة في المنطقة، بعيدًا عن يمنية الأرض بالأيديولوجيات المفخخة والمصدرة للمشاريع التوسعية العابرة للحدود.
زر الذهاب إلى الأعلى