تشتد وطأة الأزمات المعيشية والخدمية في ربوع الجنوب العربي، وفي مقدمتها أزمة الانقطاع الحاد والمستمر للتيار الكهربائي، والتي تجاوزت حدود المشكلة الفنية لتتحول إلى أداة عقاب جماعي ممنهج.
ورغم المعاناة الإنسانية البالغة التي يعيشها المواطنون وسط لهيب الصيف الحارق، وتوقف العديد من المصالح الحيوية، إلا أن هذه المعاناة كشفت عن وجه آخر للجنوبيين؛ وجهٌ عنوانه الصبر الجميل، والتكاتف الأخوي، والروح الوطنية المتقدة التي لا تقبل الانكسار أو المساومة.
وتؤكد الشواهد الميدانية في العاصمة عدن وبقية محافظات الجنوب أن حرب الخدمات المفروضة ليست وليدة الصدفة، بل هي سياسة تدميرية متعمدة تمارسها قوى معادية تهدف بشكل أساسي إلى تركيع شعب الجنوب، وإلهائه بالركض خلف متطلبات العيش الأساسية من ماء وكهرباء وغذاء.
تسعى هذه الأطراف، من خلال سلاح الحصار الخدمي والاقتصادي، إلى إضعاف الحاضنة الشعبية للمشروع الوطني، واستهداف المسار التحرري الذي خطه الجنوبيون بدماء شهدائهم، في محاولة يائسة لإجبارهم على التنازل عن تطلعاتهم السياسية المشروعة في استعادة دولتهم كاملة السيادة.
ومع ذلك، ارتد السحر على الساحر؛ فكلما زادت حدة الظلام في الشوارع، أضاءت قيم التكافل والتضامن والوعي السياسي بين أبناء الجنوب معالم الطريق. لقد أظهر المجتمع الجنوبي وعياً استثنائياً بطبيعة المعركة، مرسخاً حقيقة أن حرب الخدمات لن تزيدهم إلا تمسكاً بحقوقهم وثباتاً على مواقفهم.
الروح المتقدة لأبناء الجنوب العربي، وإيمانهم العميق بعدالة قضيتهم، يشكلان حائط الصد المنيع الذي تتحطم عليه كل مؤامرات التركيع والإخضاع.
هذه الانتفاضة الصامتة والصمود الأسطوري يبعثان برسالة واضحة وصريحة إلى الداخل والخارج معاً: إن شعباً يواجه الظلام بالصبر، ويجابه الحصار بالتكاتف، لا يمكن أن يتراجع عن مساره التحرري.
فالكهرباء والخدمات قد تنقطع بفعل فاعل، لكن جذوة الحرية والكرامة المتجذرة في نفوس أبناء الجنوب ستظل متقدة، ولن تنطفئ حتى تتحقق كامل تطلعاتهم السياسية والوطنية، ليبقى الجنوب حراً، عزيزاً، ومستقلاً
من المشهد العربي
زر الذهاب إلى الأعلى