تقـــارير

دماء الجنوب ليست وقودًا لمشاريع الآخرين والقمع لايصنع استقراراً

دماء الجنوب ليست وقودًا لمشاريع الآخرين والقمع لايصنع استقراراً

منذ سنوات طويلة، والجنوب يدفع أثمانًا باهظة من دماء أبنائه وتضحياتهم في مختلف الجبهات والساحات. فمن خطوط المواجهة العسكرية إلى المعسكرات التي يفترض أن تكون آمنة، وصولًا إلى ميادين الاحتجاجات السلمية، لا تزال الدماء الجنوبية تسيل في مشهد يعكس حجم المأساة التي يعيشها شعب يتطلع إلى الأمن والاستقرار والكرامة.

لقد تحولت حياة المواطنين إلى سلسلة متواصلة من المعاناة والخسائر، بينما تتشابك المصالح الإقليمية والدولية فوق أرض الجنوب، ويجد المواطن نفسه الضحية الأولى لصراعات لا تخدم تطلعاته ولا تحقق آماله. وبينما تتغير التحالفات وتُعقد التفاهمات وتُرسم الخرائط السياسية، يبقى الجنوبيون وحدهم من يدفعون الثمن من أرواحهم وأمنهم ومستقبل أبنائهم.

إن ما يثير القلق والاستياء هو استمرار التعامل مع الجنوب بوصفه ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات السياسية والعسكرية، دون اكتراث بحجم الخسائر الإنسانية التي تتراكم يومًا بعد آخر. فكل حادثة اغتيال، وكل انفجار داخل معسكر، وكل مواجهة دامية في الشوارع، تضيف جرحًا جديدًا إلى ذاكرة شعب أنهكته الحروب والأزمات.

وفي ظل هذا الواقع، تبرز تساؤلات مشروعة حول دور القوى الإقليمية المؤثرة، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، التي ما تزال تمتلك نفوذًا واسعًا في المشهد اليمني والجنوبي. فالكثير من الأصوات الجنوبية تتساءل عن جدوى السياسات المتبعة، وعن الأسباب التي جعلت الجنوب يعيش حالة مستمرة من الاضطراب رغم مرور سنوات طويلة على التدخلات والتحالفات المختلفة.

إن أبناء الجنوب لا يبحثون عن مزيد من الصراعات، ولا يتطلعون إلى توسيع دوائر المواجهة، بل يتطلعون إلى حياة كريمة ومستقرة، وإلى شراكة تحترم إرادتهم وتطلعاتهم السياسية والوطنية. كما أنهم يرفضون أن تتحول تضحياتهم إلى أوراق تفاوض أو أدوات ضغط في حسابات القوى المتصارعة.

لقد أثبتت التجارب أن القمع لا يصنع استقرارًا، وأن تجاهل المطالب الشعبية لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمات. كما أثبتت أن الشعوب التي تقدم التضحيات دفاعًا عن قناعاتها لا يمكن إخضاعها أو تجاوز إرادتها مهما بلغت الضغوط والتحديات. فالتاريخ مليء بالأمثلة التي تؤكد أن إرادة الشعوب تبقى العامل الحاسم في رسم المستقبل.

واليوم، يقف الجنوب أمام مرحلة حساسة تتطلب مراجعة شاملة لكل السياسات التي أسهمت في إطالة أمد الأزمات وتعقيد المشهد. فالمطلوب ليس إدارة الأزمة وإبقاؤها مفتوحة، بل البحث عن حلول حقيقية تعالج جذور المشكلة وتمنح الناس حقهم في الأمن والاستقرار وتقرير مستقبلهم بعيدًا عن الإملاءات والصراعات الخارجية.

إن دماء الجنوبيين ليست سلعة سياسية، وليست وقودًا لمعارك الآخرين. وهي أغلى من أن تُهدر في صراعات عبثية لا تحقق سوى المزيد من الانقسام والخراب. ومن هنا فإن احترام إرادة الشعوب وحقوقها المشروعة يظل الطريق الأقصر نحو السلام والاستقرار الحقيقي.

سيبقى الجنوب حاضرًا في معادلات المنطقة، لكن الأهم من كل المعادلات هو الإنسان الجنوبي الذي دفع وما زال يدفع ثمنًا باهظًا من أجل مستقبل يراه حقًا مشروعًا له ولأبنائه. وبين الدماء التي سالت والتضحيات التي قُدمت، تتجدد رسالة الجنوب بأن الكرامة لا تُشترى، وأن إرادة الشعوب لا يمكن أن تُدفن تحت ركام الأزمات والمؤامرات، مهما طال الزمن ومهما تعقدت الظروف.

من عين الجنوب

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى