مقالات وتحليلات

خارطة الشيطان: عندما يتحول “السلام” إلى غطاء لإعادة تدوير أدوات الموت في الجنوب (يركز على ملف الإرهاب و الاغتيالات)

خارطة الشيطان: عندما يتحول "السلام" إلى غطاء لإعادة تدوير أدوات الموت في الجنوب (يركز على ملف الإرهاب و الاغتيالات)

كتب/ أبو ليث الحُميدي

لم تعد المسميات الدبلوماسية البراقة والأوراق المطبوعة في أروقة الفنادق تنطلي على أحد؛ فبينما يُصر آل سلول على تسميته “خارطة طريق” لإنهاء الحرب، تكشفت ملامحه الحقيقية على أرض الواقع لتبين أنه ليس سوى خارطة للشيطان، صممتها قوى النفوذ لهندسة واقع جديد يُكافئ الجلاد، ويُعاقب الضحية، ويمنح القتلة صكوك الغفران على حساب دماء الأبرياء وتضحيات الأبطال. وأمام هذا التكالب والمؤامرة الممنهجة، جاء الموقف التاريخي الحاسم والصلب للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، القائد الأعلى القوات المسلحة الجنوبية ليعلن الرفض القاطع والكامل لهذه الخارطة الشيطانية، واضعاً حداً حازماً ومبكراً لكل المحاولات والخطط التي تحاول سلب الجنوب انتصاراته، أو القفز على قضيته العادلة ومصادرة تطلعات شعبه، ليقف كالطود الشامخ متمسكاً بعهد الشهداء ومجهضاً المؤامرة في مهدها.

وتتبدى أولى ملامح هذه الخارطة الشيطانية في كواليس صفقات تبادل الأسرى المشبوهة، فبينما تقتضي القوانين والأعراف الدولية والشرائع السماوية أن تشمل هذه الصفقات أسرى الجبهات والمعتقلين السياسيين والمخفيين قسراً، نجد هناك ضغوطاً ومساعي حثيثة لإدراج أسماء عناصر إرهابية خطيرة، وخلايا مجرمة ثبت تورطها بالأدلة القاطعة في عمليات اغتيال وتفجيرات استهدفت خيرة الكوادر والقيادات العسكرية والأمنية الجنوبية في عدن والمحافظات الجنوبية الأخرى. وحينما يتم التعامل مع القاتل المأجور وصانع المتفجرات كـ “أسير حرب” يُطالب به في طاولات التفاوض، فإننا أمام جريمة مكتملة الأركان لتسييس القضاء وتجريف مفهوم العدالة، وإهانة علنية لدم كل شهيد سقط دفاعاً عن أمن هذه الأرض.

إن المطالبة الحوثية المستميتة بالإفراج عن عناصر وخلايا الاغتيالات والتطرف تحت لافتة التبادل، تسقط قناع المظلومية التي تدعيها هذه المليشيات، لتوثق بالدليل الدامغ الروابط العضوية وغرف العمليات المشتركة بين مليشيات الحوثي وتنظيمات الإرهاب الإخوانية. والهدف من هذه الصفقات ليس إنسانياً على الإطلاق، بل هو محاولة واضحة لإعادة تدوير أدوات الموت، وإخراج القتلة من السجون ليعودوا مجدداً إلى الشوارع والمحافظات الآمنة، محملين بأحزمة ناسفة وعبوات متفجرة جديدة لزعزعة الأمن والاستقرار الذي تحقق بدماء زكية وتضحيات جسام للقوات المسلحة الجنوبية.

ولم تكن هذه الخارطة لتصاغ لولا وجود تقاطع مصالح وتخادم صريح، علناً وضمنياً، بين أطراف ثلاثية تسعى لإجهاض مشروع الجنوب التحرري، وفي مقدمتها السياسة السعودية التي انطلقت من رغبة أحادية لتأمين حدودها والخروج من مستنقع الحرب بأي ثمن. ولتحقيق هذه التهدئة السريعة، ذهبت الرياض نحو تقديم تنازلات ضخمة للمليشيات الحوثية على حساب تضحيات الحليف الجنوبي الأرضي الوفي، محاولةً مقايضة ثروات ومقدرات الجنوب لإرضاء صنعاء، وفرض وصاية وإملاءات خارجية تتجاهل كلياً الواقع السياسي والعسكري الجديد.

ويلتقي هذا التوجه الإقليمي تماماً مع مصالح منظومة الإخوان المسلمين ممثلة بحزب الإصلاح، الذي يرى في استعادة دولة الجنوب نهاية حتمية لنفوذه التاريخي وثرواته المنهوبة منذ صيف عام 1994. ولذلك، تجمدت جبهات الإخوان طوال سنوات الحرب وسلموا المعسكرات للحوثيين دون قتال، ووجّهوا كل ثقلهم العسكري والإعلامي لضرب الاستقرار في المحافظات الجنوبية كحضرموت الوادي وشبوة وأبين، مستغلين تغلغلهم في مفاصل الشرعية لتمرير صفقات تُمكّن الحوثي اقتصادياً وسياسياً، ما دام الهدف المشترك هو إبقاء الجنوب تحت وطأة الاحتلال وبمظلة الوحدة الميتة، لتجد المليشيات الحوثية في هذا التواطؤ غطاءً شرعياً لنهب ثروات الجنوب ونفطه وغازه لتمويل آلة حربها.

وأمام هذا المشهد المعقد والتآمر الثلاثي، تحطم مشروع هذه الخارطة ومساعيها على صخرة الرفض الفولاذية للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي وبنودها المجحفة، حيث أكد صراحةً رفض أي صيغة تهدف لنهب عائدات وموارد الجنوب لتسليمها كرواتب لمليشيات الحوثي الإرهابية، وشدد على أن ثروات الجنوب ملك لأبنائه ولتحسين سبل عيشهم وتأمين خدماتهم، مع الجزم بأن أي عملية سلام لا تضع قضية شعب الجنوب في إطار تفاوضي خاص ومستقل في طليعة المفاوضات ومنذ مرحلتها الأولى هي عملية ولدت ميتة وغير واقعية.

إن أي خارطة تتجاهل تطلعات الشعوب وحقها في تقرير مصيرها، وتتغاضى عن القصاص من القتلة والمخربين، وتتعمد ترحيل القضية الجنوبية إلى هوامش النسيان إرضاءً لمليشيات مرتهنة لإيران أو قوى نفوذ إخوانية، هي خارطة ساقطة ولن تجد طريقاً للنفاذ. وقد أثبت الرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، ومن خلفه شعب الجنوب وقواته المسلحة الباسلة، أن الحقوق الوطنية لا تُوهب في دهاليز المفاوضات المجزأة، بل تُنتزع بثبات الأحرار على الأرض، وأن الإرادة الجنوبية أقوى من كل الخطط والمؤامرات الشيطانية.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى