مقالات وتحليلات

السعودية من التحالف الخليجي فالعربي إلى الإسلامي وآثاره الأيديولوجية على قضايا الشعوب العادلة

السعودية من التحالف الخليجي فالعربي إلى الإسلامي وآثاره الأيديولوجية على قضايا الشعوب العادلة

بقلم: د. أمين العلياني

في دهاليز السياسة، حيث تُحاك خيوط المصائر بصمت، لا تنسحب الدول من تحالفاتها انسحاب العابرين على عجل، بل تُعيد تموضعها في خريطة القوة كما يفعل الجبل حين يُغيِّر مركز ثقله باحثًا عن أرضٍ أشدَّ رسوخًا ومظلَّةِ سماءٍ أرحبَ من تلك التي ألفتها حدوده القديمة، فتغدو الأحلاف التي قامت بالأمس على حماية جغرافيتها ومواجهة الأخطار المحدقة بها بسبب السياسات المتخبِّطة مجرد نقطة انطلاق نحو إعادة تشكيل موازين الوجود ذاته، وإعادة تعريف الأمن القومي بما يتجاوز الساتر الترابي إلى عمق المصير المشترك، وإنْ كان ذلك على حساب ظلم الشعوب المتطلِّعة إلى انتصارٍ في قضاياها السياسية والوجودية والتاريخية والوطنية العادلة.

في هذا السياق، لا يُقرأ التحول السعودي من عباءة مجلس التعاون الخليجي المشترك التي اتسعت يومًا لأشقاء الجوار الخليجي، إلى قيادة التحالف العربي في عام ألفين وخمسة عشر تحت راياتٍ كبرى، ثم إلى صياغة مظلة أمنية ذات نَفَسٍ إسلاميٍّ عابر للقارات مع تركيا وباكستان، إلا بوصفه تطورًا عضويًّا في بنية التفكير الاستراتيجي، وليس اتفاقًا طارئًا أو تكتيكًا سياسيًّا عابرًا، بل إعادة تعريف جريئة لمرتكزات الأمن القومي المحلي لتلك الدول في زمنٍ تتآكل فيه اليقينيات القديمة؛ إذ وقّعت هذه القوى الثلاث في أغسطس من عام ألفين وستة وعشرين اتفاقًا دفاعيًّا مشتركًا، ينص بمنطوقه الإعلامي على أن أي اعتداءٍ على إحداها هو اعتداءٌ على الجميع؛ ليرتقي التعاون من مجرد تنسيقٍ هشٍّ إلى التزامٍ دفاعيٍّ جمعيٍّ تتشابك فيه السيادات وتتوحد فيه الدماء، مما يفرض سؤالًا وجوديًّا: ماذا حلّ بمشروع الأمن الخليجي الذي طالما تغنّى به الخليجيون؟ ولماذا احتاجت الرياض إلى فضاءٍ أرحبَ تتنفس فيه رئتا مصالحها الاستراتيجية المحلية على حساب مصالح التحالف الخليجي ثم العربي، فضمّت إلى جوارها أنقرة وإسلام آباد تحت سماءٍ واحدة؟

إن المتأمل في مصير فكرة الأمن الخليجي المشترك، على ما حملته من أحلام درع الجزيرة؛ ليكتشف أنها ظلّت حبيسة غرفة لا يتفق ساكنوها على تعريف العدو، ناهيك عن آليات مواجهته، وبقيت الخلافات السياسية المستعصية، كما تجلّى في أزمة قطر، سكينًا حادًّا يقطع أوصال التضامن كلما اشتدت الحاجة إليه، ومن هنا نشأ السؤال القاتل الذي يفرض نفسه على كل معماريّي الأمن: كيف لمنظومة لا تتفق على طبيعة التهديد أن تنتج أمنًا مشتركًا فعّالًا يذود عن حمايتها؟ وحين تعجز المنظومة عن الإجابة، تخرج الدول من جلبابها الضيق؛ لتبحث عن بدائل أكثر اتساعًا في مواجهة العواصف، وإن كان في شكله الظاهري حماية الأمن القومي لتلك الدول والحفاظ على المصالح الضيقة، وتطبيق نماذج وسيناريوهات أيديولوجية إسلامية في العمق الخفي الداخلي.

ولقد قادت المملكة تحالفها العربي في العام ألفين وخمسة عشر متدثرة بشعارات استعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب في اليمن، غير أن الحرب تحولت مع مرور الزمن لا إلى حسم عسكري أو سياسي، بل إلى حكاية صراع طويل معقد استنزف الطاقات، وبقيت قضية شعب الجنوب العادلة ذلك الجرح التاريخي المزمن، رغم ما ضحّى به هذا الشعب من دماء انتصارًا للمشروع العربي المزعوم، وظلت تلك القضية السياسية والتاريخية والوطنية والوجودية معلقة من دون تسوية نهائية تعيد لأصحابها حقوقهم المغدورة، ومع تعاقب السنوات، لم ينجح ذلك التحالف العربي في إنتاج استقرار عربي شامل، بل ازدادت الملفات تعقيدًا وتشابكًا بسبب تشابك الخلفيات الأيديولوجية المرفوضة داخل المشروع العربي الذي تديره الرياض، حتى بدت كغابة يستعصي على المرء الخروج منها.

وهنا، مثلما يبحث النسر عن قمم جديدة حين تضيق به السفوح، جاء اتفاق مكة بين الرياض وأنقرة وإسلام آباد؛ ليضيف بُعدًا جديدًا معقدًا، حيث امتزجت القدرة المالية السعودية بالقوة العسكرية التركية وبالردع الباكستاني النووي، في صيغة كيميائية تتجاوز ظاهريًّا إطار التعاون التقليدي نحو صياغة ترتيبات إقليمية أكثر شمولًا وجبروتًا، وهذا بالطبع لا يعني بالضرورة ذبح الإطارين الخليجي والعربي أو وأدهما، بل يعني إضافة طبقة جيولوجية جديدة بنزعة أيديولوجية إسلامية وسياسية معًا من التحالفات المتداخلة والمتراكبة بعضها فوق بعض، حيث يبقى القديم قائمًا ولو بأدوار مضمحلة.

وربما يُعاد تعريف الأمن السعودي من جديد، إذ تبني الدول تحالفاتها كما يبني الكائن الحي خلاياه وفق مصالحه المتغيرة لا وفق مصالح الشعوب المظلومة والمنتظِرة لانتصار، لكن الإشكال الكبير يطل برأسه عندما يؤدي ضعف البنية الأمنية العربية المتأصلة إلى الانتقال نحو بدائل عابرة للحدود، بما قد يكرس أزمة النظام الإقليمي العربي ويفرغه من مضمونه بدل أن يعالجه؛ لتغدو الجامعة العربية شاهد قبر لا شاهد حضارة. وإن الخطر المحدق يكمن في تراجع الهوية العربية والمشروع العربي الحضاري بصفتهما المرجعية الكبرى، فعندما يتوسع الإطار الإسلامي؛ ليكون بديلًا سياسيًّا وأمنيًّا، تثور إشكالية الأولويات القاتلة: أهي عربيةٌ الدم واللسان والمصير، أم إسلاميةٌ تتسع؛ لتشمل شعوبًا وقوى ليست بالضرورة متطابقة المصالح مع جوهر القضايا العربية؟ وقد يؤدي هذا التوجه إلى تراجع مركزية القضايا العربية العادلة داخل ترتيبات أوسع، مع احتمال استثمار بعض القوى الأيديولوجية العابرة للحدود والمتخفية وراء شعارات الدين لهذا الفراغ، تمامًا مثل ذئاب ترتدي جلود الحملان.

وإذا نظرنا إلى سوريا أنموذجًا للاختبار، نجد أن التقارب السعودي التركي في الملف السوري يعكس دعمًا لمفهوم الدولة السورية التي تجمع شتات الأرض، إلا أن المؤشر يشير إلى إسقاط هذا النموذج على الجنوب العربي، الذي لا يمكن وصف هذا النموذج بأنه تلقائي، غير مدركة السعودية أن لكل حالة مأساوية سياقها السياسي والتاريخي الخاص كبصمة الإصبع الفريدة، فالجنوب العربي ليس ملحقًا جغرافيًّا داخل جغرافيا واحدة لليمن ولا تابعًا لإطار الشمال. ومن هنا فقضية شعب الجنوب، هي ليست ملفًّا أمنيًّا يُحل بالدبابة أو صفقة سياسية تُبرم في الغرف الخلفية لصالح قوى إسلامية تسعى الرياض إلى تمكينهم في جغرافيا الجنوب العربي، بل هي قضية تاريخية وسياسية معقدة ومتشابكة الجذور في عمق الزمن حيث كانت دولة ذات سيادة، وليس الجنوب شطرًا يريد الخروج من وحدوية الجغرافيا، وقد اعترفت السعودية سابقًا بأنها قضية سياسية وجودية عادلة، مما يستدعي حلًّا سياسيًّا شاملًا لا إنكارًا لها أو محوًا لملامحها تحت يافطات أيديولوجية إخوانية طارئة، ويبقى السؤال الجوهري معلقًا: ما هو الحل العادل، ومن يملك حق تحديده إن لم يكن أهل الجنوب أنفسهم وشعبه المفوض لقيادته ومشروعه السياسي الذي يديره بوضوح المجلس الانتقالي الجنوبي العربي؟

وفي قلب هذا الإعصار يقف المجلس الانتقالي الجنوبي العربي بصفته طرفًا رئيسًا ومفوَّضًا شعبيًّا في المعادلة وشوكة الميزان، إلا أن التحدي الحقيقي اليوم يتمثل في طبيعة الإقصاء الواضح التي جعلت الوصاية السعودية منهجًا في ضرب قواته المسلحة في حضرموت والمهرة، وإقصاء قيادته السياسية وشيطنة جهودهم النضالية والوطنية بمزاعم أيديولوجية صهيونية ماسونية، جعلت الملعب السياسي الجنوبي محتقنًا بين مكونات الجنوب الاجتماعية والسياسية الوطنية المختلفة وفي نسيجه الغني بالمتعدد، الموحد في هويته الوطنية الجامعة المجتمعة على تفويض المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، ومفوَّضة له قيادة منتخبة شعبيًّا؛ لتحاول الوصاية السعودية استبعاده من أي تسوية مستدامة، وهو الخيط الرفيع الفاصل بين البناء والهدم؛ بهدف تحويل قضية شعب الجنوب إلى صراع ديني أو أيديولوجي يُفرغها من مضمونها السياسي الوطني والحقوقي السياسي في التحرير والاستقلال، وهو أحد أخطر السيناريوهات التي تشتغل في مختبرات الغرف المغلقة، لذلك فإن المطلوب الحفاظ على المشروع الوطني الجنوبي الجامع الذي يمثله المجلس الانتقالي الجنوبي العربي الذي لا يُختزل في أي تيار أو أيديولوجيا بعينها، بل يتسع كالفلك لكل أبناء الجنوب على اختلاف ألوانهم السياسية.

وفوق هذا كله، لا يجوز أبدًا أن تتحول قضية شعب الجنوب إلى ورقة تفاوض رخيصة في صفقات إقليمية كبرى، إذ إن حقوق الشعوب لا تُدار بمنطق المقايضات السياسية ولا تُباع في أسواق النفوذ، والمعيار الحقيقي الذي لا يكذب يظل هو إرادة شعب الجنوب الحي، وكيفية ترجمتها إلى تسوية سياسية عادلة تحفظ له حق تقرير مصيره بيده لا بأيدي المتآمرين والمنخرطين في نزوات السلطة وولاء الأحزاب اليمنية المحتلة.

إن انتقال السياسة السعودية بمركز الثقل من الإطار العربي إلى الإطار الإسلامي الجامع قد يعيد ترتيب موازين النفوذ ترتيبًا ينعكس ظلُّه الثقيل على القضايا الوطنية العادلة للشعوب الباحثة عن انتصار قضاياها السياسية في التحرير واستعادة دولها. وفي خلاصة هذا المقال السياسي، تبقى الحقيقة الأبدية راسخة كالطود العظيم: إن الشعوب لا تفقد حقوقها بتغير التحالفات أو تبدل موازين القوى، وقضية شعب الجنوب الجريحة لا تُحل ولا يُكتب لها النصر إلا بإرادة أبنائه الأحرار الذين يصنعون بأيديهم فجرهم الجديد، في تسوية عادلة تضمن لهم حقهم المقدس في تقرير مصيرهم وطنًا حرًّا أبيًّا كما يمثله المجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقيادته المفوضة شعبيًّا.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى