اخبار محلية

حين أجهضت صنعاء صوت الشراكة: أصبح الجنوب بين الانتهاك والسيطرة

حين أجهضت صنعاء صوت الشراكة: أصبح الجنوب بين الانتهاك والسيطرة

كتب/ فضل صالح

لم يكن الصدام بين عدن، وصنعاء لحظة عابرة في تاريخ الجنوب، والشمال، بل كان ترجمة لتراكم خيبات دولتين منذ تأسيسهما: 

 دولة نشأت عقب الانقلاب على الحكم الإمامي (الجمهورية العربية اليمنية) قبل أن يستعيد أنصار الإمامة دولتهم في ٢٠١٥. ودولة تأسست بعد نضال طويل ضد المستعمر البريطاني(جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية).

 ثم جاءت خيبة دولة الوحدة التي لم تنضج كإرادة وطنية جامعة، وتحوّلت تدريجيا إلى ساحة لصراع ضيق تتقاذف فيها الأهواء والنفوذ على حساب فكرة الوحدة الشراكة. 

حين نقول: إن صنعاء غدرت بالوحدة اليمنية، لا نعني مجرد تبدّل في مراكز القرار، بل نعني أن العاصمة الشمالية أجهضت صوت الشراكة، وتخلّت عن عهد كتب بدماء وتضحيات كثيرة.

لم تكتب فصول الانهيار دون دماء، فقد طالت موجات الاغتيالات كوادر الحزب الاشتراكي والنخب الجنوبية المستقلين سياسيا وإداريا، فاغتيال القيادات الحزبية والمدنية طمس ذاكرة المؤسسات، واغتيال القادة العسكريين الجنوبيين هشّم قدرة الجنوب في الدفاع على مؤسساته. 

كل عملية كانت تقطع خط التواصل بين الشعب ومؤسساته، وتعيق أي احتمال لقيام دولة مدنية متوازنة.

   وثيقة العهد والاتفاق التي وصفت يوما بصمام أمان للتعايش والشراكة لم تعد صالحة عندما أصبح نكث العهود قرارا سياسيا يرفض التكافؤ، ويعيد توزيع الغنيمة على حساب الجنوب.

 لقد سبق الانفصال الرمزي أي معركة على الأرض وما جرى خلال حرب ١٩٩٤م لم يكن مجرد مواجهات عسكرية، بل حربا على الوجود، على المدنية، على الذاكرة، وعلى حق الجنوب في الحفاظ على ما تبقى من مؤسساته وهويته.

فقد استهدفت الحرب تدمير مؤسسات الجنوب العامة والمدنية، وتحطيم الاقتصاد المحلي، وتشريد الكوادر الإدارية والفنية. وهكذا لم يُقتل الجنوب عسكريا فقط، بل أفرغ من أدواته المؤسسية وقدرته على الحكم الذاتي.

استمرت بعد الحرب موجات الإقصاء والاغتيالات؛ لتقييد أي فضاءات للعمل السياسي المستقل، وخلق حالة من الخوف والضعف المؤسسي، فيما استُغل الفراغ لدعم جماعات مسلحة متطرفة، مباشرة أوضمنيا، لتعميق الانقسام، وخلق رواية أمنية تبرر استمرار سيطرة الشمال على الجنوب.

كل تلك الأحداث تشكّل دائرة مترابطة من الانتهاكات: 

الاغتيالات، نكث العهود، الحرب على المؤسسات، الحرب على الإنسان، استغلال الفراغ لصالح قوى مستفيدة.

النتيجة كانت واحدة: صنعاء عاصمة انفصلت عن روح الشراكة الوطنية، وجنوب أفرغته صنعاء من أدواته المؤسسية والسيادية.

 

حين غدرت صنعاء بالوحدة اليمنية، لم تفقد الشرعية السياسية فقط، بل فقدت روح الشراكة الوطنية التي منحت الدولة معناها. 

استعادة الجنوب لدوره الطبيعي ليس مجرد حق جغرافي، بل استعادة للشرعية والعدالة التاريخية، وواجب أخلاقي وسياسي لإعادة ترتيب المشهد الوطني، والإقليمي، وضمان للأمن الدولي والملاحي.

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى