مقالات وتحليلات

الوصاية السعودية: من التنازل عن عقوبات الحوثيين وغيرهم إلى هروب في عقوبات أخرى أضرارًا بالمشروع الجنوبي التحرري

الوصاية السعودية: من التنازل عن عقوبات الحوثيين وغيرهم إلى هروب في عقوبات أخرى أضرارًا بالمشروع الجنوبي التحرري

بقلم: د. أمين العلياني

لا، ولم، ولن أرَ في دهاليز السياسة المعتمة، ولا في متاهاتها المضنية، إحباطًا فاضحًا كالذي جسّدته سياسة المملكة العربية السعودية في وصايتها المثقلة على أرض الجنوب العربي. وصايةٌ لا تشبه إلا وجه القناع؛ تمنحك الأمل بيد، وتغرس في خاصرتك الخنجر بالأخرى. لقد أمعنت الرياض في محاولة مكشوفة لإسقاط تنظيمات إخوانية إرهابية على خاصرة الجنوب، لا حبًا فيها ولا رغبة في تمكينها، بل لتكون مجرد ملف قابل للإدارة، وبضاعة رخيصة للمقايضة في سوق الشرق الأوسط الملتهب، فإذا بالجنوب يتحول إلى رهينة في لعبة المصالح الإقليمية والدولية.

من ذلك المخاض المشبوه، انبثقت “عاصفة الحزم” المزعومة، وحُشد لها اثنتان وعشرون دولة عربية وإسلامية، ورُفعت راياتها تحت الفصل السابع من الميثاق الأممي، استنادًا إلى القرار 2216. يومها، صُبّت القرارات الدولية على رؤوس القيادات الحوثية والعفاشية كالحمم، وصُنّفت مليشياتهم منظمة إرهابية أجنبية، وأُدرجت قياداتها وكياناتها في قوائم الخزانة الأمريكية، في محاولة لحظرها عن العالم. ولكن، ما إن انقشع غبار المعارك الأولى، حتى انقلب السحر على الساحر؛ صار الحوثي “ضرورة يمنية”، و”يمنيًا أصيلًا” لا غنى عن التفاوض معه، بعد أن دمّر البلاد وشرّد العباد، وأوصل المآسي إلى كل بيت يمني. وهكذا، هوت تلك القرارات الأممية والتصنيفات الدولية صريعة على مذبح المصالح الآنية، وغدت مجرد كلام استهلاكي تلوكه ألسنة الدبلوماسيين في أروقة الفنادق الفاخرة، بينما الحوثي يزداد بطشًا وتمكينًا.

وفي خضم هذه المسرحية الهزلية، يبرز وجه المناضل الصلب، الرئيس عيدروس الزُبيدي، حفظه الله، معبرًا عن تطلعات شعب الجنوب العربي التوّاق إلى فكاك أسره من الاحتلال اليمني. لقد أُدخل الرئيس الزُبيدي في اتفاقات دولية وقرارات أممية ضمن ترتيبات “اتفاق الرياض” بنسختيه الأولى والثانية، وفي صلب ترتيبات نقل السلطة. وحين تحرك الزُبيدي في حضرموت، بتفاهمات مع ثلاثة من أعضاء مجلس القيادة الرئاسي، سعيًا لإنفاذ المحافظة من العبث الحاصل فيها، ومن التمرد المشجع سعوديًا على سلطاتها، انكشف المستور تمامًا. لم يكن ذلك التحرك في عيون الوصاية السعودية إلا جريمة تستحق العقاب، فصار هو المستهدف، وسعت الرياض جاهدة لاستبعاده من عضوية المجلس الرئاسي، بل وحلّ المجلس الانتقالي الجنوبي برمّته، وكأنها تعاقب الجنوب على رجاله المخلصين.

وحين فشلت محاولات التصفير والاستبعاد، تحولت السياسة السعودية إلى نهج المطاردة الصامتة، فصارت تتعقب الرئيس عيدروس الزُبيدي في المحافل الدولية، وتُراكم الضغوط عليه في أروقة مجلس الأمن. إنها سياسة لا تريد حليفًا ولا تقبل شريكًا، بل تبحث عن ظل تابع. وبهذا المسلك، تكون السعودية قد أدخلت الجنوب العربي في دوامة من الفوضى العارمة، مستهدفة تصفير مشروع شعب تحرري عظيم، وتجريده من حلم دولته التي ناضل لأجلها. فالسعودية بوصايتها لم تتنازل عن عقوبات الحوثي لتحقق سلامًا، بل هربت منها لتفرض عقوباتها الخفية على المشروع الجنوبي، تاركة جرحًا غائرًا في خاصرة الجنوب العربي، وسؤالًا بلا جواب: من يحمي الحلم الجنوبي من عباءة الوصاية السعودية؟

مشــــاركـــة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى